مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

علاء ابو ابراهيم يكتب : ملاكٌ في طريقي صاغت وجداني

2026-09-11 12:07 PM  - 
علاء ابو ابراهيم  يكتب : ملاكٌ في طريقي صاغت وجداني
علاء أبو إبراهيم
إعلان بنك saib

في رحلة الحياة، نلتقي بأشخاص يمرون عابرين، ونلتقي بآخرين يحفرون أسماءهم في وجداننا ويشكلون ملامح مستقبلنا. واليوم، حين ألتفت خلفي لأتأمل مشهد نجاحي وتفوقي، أجدني مدينًا بجميلٍ لا تسعه الكلمات لمدرسيّ الأجلاء؛ أولئك الذين لم يكتفوا بتلقين العلوم، بل كانوا الدافع الأكبر والسبب الرئيسي وراء كل خطوة تقدم خطوتها في طريقي ، إن التفوق ليس نتاج جهد فردي معزول، بل هو ثمرة عطاء مخلص ورعاية واعية تتعهد البذرة حتى تغدو شجرة مثمرة وفضائل هؤلاء المعلمين عليّ شخصيًا دين يطوق عنقي، فقد غرسوا فيّ الشغف وعلموني أن الإصرار والتميز هما السبيل الوحيد لترك أثر حقيقي في هذا العالم.وتأخذني الذاكرة هنا إلى محطة فارقة حُفرت تفاصيلها في قلبي؛ يوم انتقلت إلى الصف الأول الإعدادي. في ذلك اليوم، غمرني مدير مدرسة النصر، الأستاذ قطب ثالوث، بنبل أبوته وعمق نظرته التربوية، حين ذهب بنفسه للتوصية عليّ. كان يتوسم فيّ ملامح أديب أو كاتب صحفي، وكانت تلك النبوءة العابرة بمثابة النور الذي أضاء لي طريقي، والشرارة الأولى التي أشعلت في داخلي عشق الكلمة والشغف بالكتابة وفي تلك المرحلة ذاتها، تلقتني يدا أعظم إنسانة في الكون، صاحبة الفضل الأكبر التي لا يمكن لقلبي أن ينساها انها الأستاذة شادية الغضبان الزمن الجميل ، أمينة المكتبة بمدرسة عبد المنعم رياض  تلك السيدة الفاضلة التي لم تكتفِ باحتضاني رعايةً وتوجيهًا، بل كانت تحضر لي الكتب خصيصًا لأستزيد منها علمًا وفكرًا. ولم تقف حدود رعايتها عند عتبة المكتبة، بل فتحت لي آفاقًا إبداعية أرحب حين عرّفتني بـ الأستاذ محمد ناصف، وكيل المدرسة والمخرج المسرحي القدير. 
لقد بدأ الأستاذ محمد يأتيني ببعض السيناريوهات المسرحية لأقرأها، ثم يطلب مني إعادة كتابتها بأسلوبي الخاص، في تدريبٍ عملي باكر صقل قلمي وعلّمني كيف أتحكم في خيوط السرد.لقد كانت الأستاذة شادية تؤمن بأن الكاتب لا بد أن يرى العالم ويتسع أفقه؛ لذا كانت تصر صرارًا شديدًا على ذهابي في كل رحلات المدرسة الاستكشافية. 
رافقتُ زملائي بفضلها إلى مصنع الغزل بدمياط، وتجوّلت في معمل الألبان، وزرت متحف العلوم بمديرية التربية والتعليم. لم تكن تلك الرحلات للنزهة فحسب، بل كانت تكلفني بمهمة أدبية جادة: "لخّص اليوم واكتب رأيك فيه". من هناك، ومن بين سطور تلك التقارير والآراء الباكرة، وُلدت عين الكاتب الصحفي في داخلي، وتعلّمت كيف أرصد الواقع وأصيغه في كلمات.ودارت الأيام، وتحققت النبوءات بفضل الله ثم بفضلهم، وخطوت أولى خطواتي الحقيقية في عالم الصحافة ككاتب صحفي محترف. وفي تلك الأثناء، انتقلتُ مع أبي العظيم إلى بيتنا الجديد؛ ذلك البيت الذي اشتراه والدي حباً واعتزازاً باسم وذكرى والدته الراحلة، حيث كان المنزل في الأصل ملكاً لها.وهناك، كانت المفاجأة الكبرى التي لم أكن لأتخيلها أبداً وتجلى فيها لطف القدر؛ إذ وجدتُ أن الجارة التي تسكن أمامي مباشرة وتتقاسم معي ذات الممر، ليست سوى صاحبة الفضل الأول.. الأستاذة شادية الغضبان! غمرتني مجدداً بحنانها وأمومتها الطاغية التي لم تتغير، وأخذت تتابع خطواتي الباكرة في بلاط صاحبة الجلالة بحسن توجيهاتها، ورعايتها، وحبها الشديد الذي طالما كان دافعي الأكبر نحو الأمام.والعجيب، أن العقود قد مرت، وحتى الآن ورغم أنني تجاوزت السادسة والخمسين من عمري، إلا أنها ما زالت تعاملني كطالب الإعدادي الذي تخاف عليه من عثرات الطريق وتحديات الحياة. تجدها دائماً أول من يسأل عني، وتدثرني بدعواتها الصادقة في ظهر الغيب. ويوم أن فُجعت بفقد أمي الغالية، كانت الأستاذة شادية هي الأم الثانية التي سدت الثغور؛ ولن أنسى يوماً دموعها الحارة وهي تواسيني، وخوفها الحقيقي عليّ الذي مسح عن قلبي وعثاء اليتم.هذه هي المعلمة، والأم، والنموذج الإيجابي الذي يُثبت أن مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة، بل هي رسالة مقدسة تصنع الإنسان وتلازمه طوال العمر.إلى كل مدرس ومدرسة، وإلى هؤلاء النبلاء الذين صاغوا من أحلامي حقيقة أعيشها الآن؛ إن نجاحي اليوم هو نجاحكم أنتم، وثمرتكم التي حان وقت قطافها. شكرًا لأنكم لم تبخلوا بنصيحة، وشكرًا لأنكم آمنتم بي. أدعو الله أن يجزيكُم عني وعن كل طالب علم خير الجزاء، وأن يمتعكم بالصحة والعافية، فأنتم بحق النور والضياء الذي يبدد عتمة الجهل

مساحة إعلانية