مساحة إعلانية
بقلم: زينب النجار
أشعر بقهر المواطن الذي لم يعد يعرف من أين يبدأ ولا إلى أين ينتهي؟، فمع كل موسم دراسي جديد تبدأ رحلة البحث عن المال لتوفير احتياجات الأبناء، في وقت أصبحت فيه تكاليف المعيشة اليومية عبئًا ثقيلًا على كثير من الأسر.
فما بين الطعام والشراب والفواتير والمواصلات، تأتي الدروس والمستلزمات المدرسية والزي والكتب والأدوات، لتضيف أعباء جديدة إلى ميزانية الأسرة، وكأن المواطن لا يكاد ينتهي من مواجهة مصروف حتى يجد نفسه أمام مصروف آخر.
ومع بداية كل عام دراسي، يتكرر المشهد نفسه؛ أسعار ترتفع، وأسر تحاول تدبير احتياجاتها، وبعض التجار يستغلون زيادة الطلب على المستلزمات المدرسية لمضاعفة هامش الربح، وكأن حاجة الأسرة إلى شراء الزي والكتب والأدوات أصبحت فرصة لا تتكرر لتعظيم المكاسب.
ولا يمكن إنكار أن هناك تجارًا يلتزمون بالأسعار العادلة ويقدمون منتجات جيدة، لكن المشكلة تكمن في جشع بعض المستغلين الذين يرفعون الأسعار دون مبرر واضح، مستفيدين من أن ولي الأمر لا يملك رفاهية تأجيل شراء احتياجات أبنائه.
فالطفل يحتاج إلى الزي، ويحتاج إلى الكتب والأدوات، وفي النهاية يجد الأب أو الأم أنفسهما مضطرين إلى الشراء مهما ارتفعت التكلفة
وهنا تصبح الحاجة إلى الرقابة أكبر، لأن السلعة التي لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها لا ينبغي أن تتحول إلى باب للاستغلال.
المفارقة أن المواطن عندما يحاول الهروب من الأسعار المرتفعة والبحث عن مكان أرخص، قد يجد نفسه أمام منتجات منخفضة الجودة.
قماش ضعيف، أدوات لا تتحمل الاستخدام، ومنتجات قد يضطر ولي الأمر إلى استبدالها خلال العام.
وبذلك يدفع المواطن مرتين: مرة عندما يشتري المنتج، ومرة أخرى عندما يضطر إلى شراء بديل أفضل.
إذن القضية ليست البحث عن الأرخص فقط، وإنما توفير جودة مناسبة بسعر عادل.
لماذا تتكرر المعاناة كل عام؟
السؤال الذي يحتاج إلى إجابة: لماذا لا تكون هناك حلول مستمرة بدلًا من انتظار موسم الدراسة ثم التحرك لمواجهة ارتفاع الأسعار؟
لماذا لا تتوافر منافذ بيع ثابتة للزي المدرسي والمستلزمات بأسعار مناسبة؟
ولماذا لا تكون هناك رقابة أكثر فاعلية على الأسعار وجودة المنتجات خلال موسم يرتفع فيه الطلب بصورة طبيعية؟
المواطن لا يريد أن يحصل على شيء بالمجان، ولا يطلب أن يعمل التاجر بخسارة.
هو فقط يريد أن يدفع سعرًا منطقيًا مقابل منتج جيد.
الحل ليس في المعارض الموسمية وحدها
الحل يحتاج إلى منظومة مستمرة، تبدأ قبل موسم الدراسة بوقت كافٍ.
يمكن التوسع في إنشاء منافذ بيع ثابتة للزي المدرسي والمستلزمات، بالتعاون مع المصانع المحلية، وطرح المنتجات بأسعار اقتصادية مع الالتزام بمواصفات واضحة للجودة.
كما يمكن تنظيم معارض مدرسية بأسعار مخفضة، على أن تكون هناك رقابة حقيقية على الأسعار والخامات، حتى لا تتحول فكرة المعارض إلى مجرد واجهة دون تأثير حقيقي على السوق.
ومن المهم أيضًا تشجيع المصانع المحلية على إنتاج الزي المدرسي بكميات كبيرة، بما يساعد على خفض تكلفة التصنيع، مع توفير أكثر من فئة سعرية تناسب إمكانات الأسر المختلفة.
أما الكتب والأدوات، فيمكن التوسع في البدائل الرقمية والمصادر التعليمية المتاحة، وتشجيع إعادة استخدام الكتب والزي والأدوات التي ما زالت بحالة جيدة.
المواطن ليس سلعة في موسم الدراسة
المشكلة لا تتعلق بموسم الدراسة وحده، فالمواطن يواجه أعباء متراكمة طوال العام، وعندما تأتي بداية الدراسة يجد نفسه أمام فاتورة جديدة تضاف إلى تكاليف المعيشة والدروس والمواصلات والاحتياجات اليومية.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
الربح حق مشروع، لكن استغلال حاجة الأسر ليس حقًا.
والتاجر الذي يرفع السعر بلا مبرر مستفيدًا من اضطرار الأسرة إلى الشراء لا يبيع سلعة فقط، بل يضيف ضغطًا جديدًا على بيت يحاول بالفعل تدبير احتياجاته الأساسية.
لذلك فإن مواجهة جشع بعض التجار لا تكون بالكلام فقط، وإنما برقابة فعالة، وتشديد مواجهة الممارسات غير المشروعة، وزيادة المنافسة، وتوفير منافذ بديلة أمام المواطن.
كل عام لا ينبغي أن نبدأ بالسؤال:
«من أين سنوفر تكاليف الدراسة؟»
بل يجب أن يكون السؤال:
«ماذا فعلنا حتى لا تتكرر المعاناة نفسها في العام المقبل؟»
فالتعليم حق، واحتياجات الطفل المدرسية ليست رفاهية، وبداية العام الدراسي يجب ألا تتحول إلى موسم جديد من القلق والضغط على الأسرة.
المواطن يحتاج إلى حلول دائمة، لا مسكنات مؤقتة.. وإلى سعر عادل لا منتج رديء، وإلى حماية من الاستغلال لا عبء جديد يضاف إلى أعباء الحياة.