مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

هندسة الوهم: في سيكولوجية الجهل الجماعي .. بقلم زينب طارق

2026-08-29 01:06 PM  - 
هندسة الوهم: في سيكولوجية الجهل الجماعي .. بقلم زينب طارق
صورة تعبيرية
إعلان بنك saib

لم تعد الساحة الرقمية اليوم مجرد وسيلة لنشر الشائعة، بل غدت مختبراً يُعيد تشكيلها في أقرب صورة ممكنة إلى الحقيقة، قبل أن يُطلقها في وعي الملايين وكأنها يقين لا يقبل الشك. فكل فترة قصيرة، تضجّ منصات التواصل الاجتماعي بفكرة "مستدامة" تُعاد صياغتها وتدويرها بصورٍ متجددة، وكأنها اضطراب نفسي جماعي يُعاد إنتاجه كلما هدأ قليلاً، يرافقه سيلٌ من المقاطع المصطنعة بتقنية الذكاء الاصطناعي، توظَّف تارة في الترويج لأمور تصادم الأخلاق العامة، وتارة أخرى في دعايات غير رسمية تتسلل إلى الوعي من غير استئذان. وما إن يظهر أحد هذه المقاطع أو تلك الأفكار المعاد تدويرها، حتى تنهال عليه المشاركات والتعليقات كأنها طقسٌ جماعي لا يُسأل عن مصدره ولا عن صدقه.
هذا المشهد المتكرر، بكل ما فيه من مفارقة، يختصر واقعاً أعمق: لم يعد الجهل اليوم قصوراً عرَضياً في المعرفة، بل صار صناعة قائمة بذاتها، تُدار بدقة هندسية لا تقل إحكاماً عن أي منظومة تقنية متقدمة، حتى غدا الوعي فيها تهمة، وصار كشف الحقيقة فعلاً يُدفع صاحبه ثمنه قبل أن يُكافأ عليه. وهذا الانقلاب في القيم يطرح سؤالاً لا يكفّ عن إلحاحه: كيف ينساق الإنسان، بكل هذا اليقين، خلف أكاذيب لا تخفى عليه ملامحها الفجّة أحياناً، متلقياً زيفها المموَّه وكأنه حقيقة صلبة لا تقبل المراجعة؟
وهمُ الحقيقة المتكررة
يصف علم النفس الإدراكي ظاهرة دقيقة تُعرف بـ"أثر الحقيقة الوهمية" (Illusory Truth Effect). فحين يستقبل الدماغ خبراً للمرة الأولى، يبذل جهداً تحليلياً حقيقياً لفهمه. لكن مع التكرار المستمر الذي تصنعه جيوش "الذباب الإلكتروني" وخوارزميات المنصات - كما يحدث اليوم مع كل مقطع مُفبرك ينتشر عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل أن يُكتشف زيفه - تصبح معالجة الخبر داخل الشبكة العصبية أكثر سلاسة، أي أكثر "ألفة". وهذه الألفة وحدها، لا الصحة، هي ما يترجمه الدماغ - الحريص بطبعه على توفير طاقته - إلى إحساس زائف باليقين. هكذا يتحول تكرار الشائعة ذاتها على مدى أيام قليلة فقط إلى غسيل معرفي سريع، يألف فيه العقل الباطن الكذبة فيتقبلها، حتى تغدو عند البعض بديهية لا تُناقش، رغم كل نفيٍ لاحق.
حين تتحول التقنية إلى مضخّة للوهم
هنا يبرز دور التكنولوجيا، لا بوصفها أداة محايدة، بل مسرِّعاً لهذه الآلية النفسية ذاتها، خصوصاً في عصر باتت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تصنيع "حقائق" بصرية وصوتية لا تُميَّز عن الواقع بالعين المجردة. وقد أظهرت دراسة مستفيضة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن الأخبار الزائفة تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي بسرعة تفوق انتشار الحقائق بستة أضعاف، مستثمرةً أكثر المشاعر الإنسانية بدائية: الغضب والخوف. ويتضافر هذا الانحياز البنيوي مع نزعة نفسية أعمق، رصدها البروفيسور دان كاهان من جامعة ييل، وأسماها "الانحياز القيمي المعرفي"، إذ يعمل دماغ الإنسان حين يواجَه بدليل يهدد معتقداً يقدّسه، لا بحياد، بل بآلية دفاعية عكسية: يجنّد كل طاقته الفكرية، لا لفهم الدليل، بل لاختراع الحجج التي تُسقطه.
من برمجة العقول إلى شيوع التفاهة
إن برمجة العقول لا تكتفي بتزييف الحقائق الفردية، بل تتحول تدريجياً إلى مناخ عام يُعيد تعريف علاقة الإنسان بوجوده. ففي ظل هذا المناخ، تتراجع الفوارق الاجتماعية أمام خطر واحد يهدد الجميع: الانحدار المعرفي المشترك. وهكذا تتحول التفاهة من ظاهرة هامشية إلى حضور يومي يفرض نفسه على الحواس، حتى يغدو الجهل قاعدة لا استثناء، ويصبح الصراع - لا صراع أفكار بالمعنى الكلاسيكي - بل صراع بقاء بين الوعي وآلة تفرض الغباء الجماعي كأمر واقع.
حين تصبح الحقيقة تهديداً للانتماء
من أخطر آليات هذا الجهل المهندَس ظاهرتا التنافر المعرفي وأثره الارتدادي. فتقديم الأدلة القاطعة لشخص مؤدلج كثيراً ما يزيد شراسته الدفاعية بدل أن يقنعه، ذلك أن هذه العقول مستعدة للتضحية بالحقيقة نفسها في سبيل الحفاظ على انتمائها القَبَلي لجماعتها الرقمية. بهذا المعنى يتحول تصديق الكذبة الجماعية إلى "صك انتماء"، بينما تُعامَل مخالفتها بوصفها خروجاً يستوجب النبذ.
هنا يتجلى ما أسماه عالم النفس ليون فستنغر "التنافر المعرفي"، وجوهره أن مواجهة الإنسان بحقيقة تناقض قناعاته الراسخة تُحدث لديه صدمة نفسية، إذ الاعتراف بالخديعة يعني - بالنسبة إلى الأنا - الاعتراف بالفشل. ولتجنّب هذا الألم، يلجأ الدماغ إلى الحل الأيسر: مهاجمة الحقيقة نفسها. وتُعرف هذه الظاهرة بـ"أثر الارتداد العكسي"، حيث تعمل الأدلة الداحضة - على عكس المتوقع - على تعزيز التمسك بالمعتقد بدل زعزعته.
في معنى المقاومة
إن هذا الهجوم الذي يواجهه كل من يخوض معركته ضد الجهل الجماعي يفرض إدراك حقيقة واحدة: أنك لا تصارع أفراداً متفرقين، بل منظومة فكرية وتقنية شُيّدت أركانها على الوهم، وباتت اليوم أسرع وأشد إحكاماً بفضل أدوات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. ومع ذلك، يبقى التمسك بمعنى الوجود، ومواصلة النقاش بجرأة وحكمة، هو السبيل الوحيد اللائق بإنسانية الإنسان، حتى وإن بدا للمرء أنه يغرّد خارج السرب. فكل نفيٍ يأتي متأخراً بعد أن تكون الشائعة قد أنجزت مهمتها في الوعي الجماعي، هو تذكير بأن معركة الحقيقة اليوم لم تعد معركة معلومة ضد أخرى، بل معركة سرعة الوعي في مواجهة سرعة الوهم. وفي هذا المسار وحده، حيث يلتقي الوعي بالمقاومة، تكمن قوة الموقف الحقيقية، وبه وحده يُثبت الإنسان معنى إنسانيته في وجه آلة لا تريد له أن يعرف.

مساحة إعلانية