مساحة إعلانية
النيل ليس مجرد نهر يمر بمصر، هو شريان الحياة والتاريخ والهوية. ولذلك لم تتعامل الدولة المصرية يوماً مع ملف "سد النهضة" الإثيوبي باعتباره نزاعاً مائياً عادياً، بل قضية أمن قومي وجودي. ومنذ اللحظة الأولى، وضعت القيادة المصرية بقيادة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي قاعدة ثابتة للتعامل: *الحفاظ على الحقوق التاريخية والقانونية لمصر في مياه النيل، مع التمسك الكامل بخيار التفاوض والحلول السلمية. تستند مصر في موقفها إلى اتفاقيات تاريخية موقعة ومعترف بها دولياً تنظم حصص دول حوض النيل، وفي مقدمتها اتفاقية 1929 و1959. وتؤكد الدولة المصرية دائماً أن هذه الحقوق ليست محل مساومة. الدولة المصرية لم تغلق باب التفاوض لحظة واحدة. على مدار أكثر من 10 سنوات شاركت في كل جولات التفاوض الثلاثية برعاية الاتحاد الأفريقي وبدعم دولي. وكان الهدف المصري واضحاً: *اتفاق قانوني ملزم* ينظم عملية ملء وتشغيل السد، ويضمن عدم الإضرار بمصالح دولتي المصب مصر والسودان. إن التصريحات الرسمية خلال الفترةالأخيرة تؤكد الثوابت المصريه حتي أن الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية أكد كثيرا علي أن "مياه النيل خط أحمر، ومصر لن تفرط في حقها التاريخي في مياه النيل، ونحن دعاة سلام وتعاون ولكننا قادرون على حماية مصالحنا". وشدد على أن الأمن المائي لمصر يمثل مسألة وجود لـ أكثر من 120 مليون مصري الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري صرح بأن "إستمرار إثيوبيا في الإجراءات الأحادية يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويهدد الأمن المائي لشعوب المنطقة". وأوضح أن مصر طورت استراتيجيتها المائية لمواجهة أي سيناريوهات. ومرارا وتكرارا فقد خرجت علينا وزارة الخارجية المصرية وأكدت في بيانات رسمية متتالية أن "التفاوض هو السبيل الوحيد للوصول لاتفاق عادل وملزم، وأن أي إجراءات أحادية مرفوضة تماماً". وفي هذا السياق نجد أن هناك سؤالا يطرح نفسه لماذا تصر إثيوبيا على التصعيد وبناء سدود أخرى؟ رغم كل جولات التفاوض، إختارت إثيوبيا المسار الأحادي. وأعلنت مؤخراً عن نيتها بناء سدود جديدة على النيل الأزرق وروافده. ويأتى السؤال ماهي دوافع التصعيد الإثيوبي: داخلية بحيث تستخدم الحكومة الإثيوبية مشروع السد كورقة لتوحيد الداخل والتغطية على الأزمات السياسية وإلاقتصادية. إقتصادية حيث أن تسعى أديس أبابا لتوليد كهرباء وتصديرها لتحقيق طفرة تنموية دون مراعاة قواعد التشغيل المشترك. خارجية: هناك من يرى أن بعض القوى الإقليمية والدولية وجدت في ملف السد أداة ضغط على مصر. تقارير أشارت إلى تمويلات ودعم فني وسياسي من جهات تريد إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي وإضعاف الدور المصري التاريخي. جاءالدور المصري بقيادة الرئيس السيسي يحمل بين طياته قوة وحكمة فقد تعاملت الدولة المصرية مع الأزمة بمسارين متوازيين: المسار الأول: الدبلوماسية والقانون مصر طرحت القضية في مجلس الأمن، وحصلت على دعم عربي وأفريقي واسع. كما فعّلت اتفاقيات التعاون مع دول حوض النيل لشرح الموقف المصري. المسار الثاني: تأمين المصالح وبناء القدرات بالتوازي مع التفاوض، نفذت الدولة مشروعات كبرى لترشيد إستهلاك المياه وتبطين الترع، التحول للري الحديث، معالجة مياه الصرف، تحلية مياه البحر. هدفها تقليل الفجوة المائية وتأمين إحتياجات أكثر من 120 مليون مواطن لأي سيناريو. ويجب الحديث عن أن موقف السودان في القضية فهى بالنسبة لمصر شريك المصير السودان طرف أصيل في الأزمة. الخرطوم كانت أكثر المرونة في البداية لكن مع استمرار الملء الأحادي بدأت المخاوف السودانية تزداد، خاصة فيما يتعلق بسلامة السدود السودانية وتأثير التشغيل على حصتها المائية والكهربائية. مصر والسودان ينسقان مواقفهما بشكل كامل. فكلاهما دول مصب، وكلاهما يطالب باتفاق ملزم. أي اتفاق منفرد مع إثيوبيا يهدد أمن البلدين معاً. وتبقي حقيقة واحدة يجب إدراكها * لا حياة بدون ماء* أزمة سد النهضة اختبار حقي للعلاقات الدولية ولقواعد القانون. مصر اختارت طريق العقل والحكمة بقيادة الرئيس السيسي: التمسك بالحق، ومد اليد للتفاوض، والاستعداد لكل الاحتمالات. الرسالة المصرية واضحة للعالم: نحن لا نعتدي على حق أحد، ولن نقبل المساس بحق 120 مليون مصري في الحياة.