مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

علاء أبو إبراهيم يكتب : صرخة القيم فى وجه عواد

2026-08-27 06:27 AM  - 
علاء أبو إبراهيم  يكتب : صرخة القيم فى وجه عواد
علاء أبو إبراهيم
إعلان بنك saib

"بيع يا عواد"، ،لم تعد مجرد صرخة في وجه من يفرط في تراب وطنه ، بل تحولت في واقعنا المعاصر إلى مرآة تكشف عورات مجتمع بات فيه كل شيء تقريباً معروضاً للبيع والشراء ،لقد تجاوزت هذه العبارة العبقرية التي خلدتها السينما المصرية حدود الجغرافيا والسياسة ، لتصبح الرمز الأبرز للانحدار الأخلاقي والقيمي،إن "عواد" اليوم ليس مجرد شخص يفرط في أرضه ، بل هو كل إنسان يبيع أخلاقه ، ويدوس على مبادئه ، ويتبرأ من تاريخ أهله وجذوره بحثاً عن مكسب سريع أو شهرة زائلة أو مكانة اجتماعية مزيفة، ويتجسد هذا السقوط في واقعنا من خلال صور مجتمعية شديدة السلبية ، نراها يومياً في صناع المحتوى الذين يبيعون حرمة بيوتهم وأسرار عائلاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، مفرطين في حيائهم وقيمهم لشراء تفاعل وهمي وأموال مغمسة بالابتذال،كما يتجلى في الموظف الذي يبيع أمانته بالرشوة ، والتاجر الذي يبيع ضميره باحتكار أقوات الناس ، والمثقف الذي يتلون كالحرباء ليبيع مواقفه وقناعاته لمن يدفع أكثر،بل إن القسوة تصل إلى من يتبرأ من ماضي عائلته البسيطة ويتنكر لأهله وجذوره ظناً منه أن التخلي عن أصله يرفعه في عيون الناس، علاوة على ذلك ، يتسلل هذا السلوك الانتهازي إلى العلاقات الإنسانية الأكثر قدسية ، حيث نشهد اليوم صوراً مأساوية لمن يبيعون روابط الدم والصداقة من أجل مصالح مادية عابرة ، فيتحول الأخ ضد أخيه ، ويُخان الصديق لصالح تقرب من ذوي نفوذ ، مما يمزق النسيج الاجتماعي من الداخل،كما يمتد هذا التردي إلى البيئة التعليمية والتربوية ، عندما يبيع بعض المعنيين برسالة العلم ضمائرهم من خلال تسريب الامتحانات أو فرض الدروس الخصوصية كإتاوات ، مما يزرع في نفوس الأبناء منذ الصغر أن الغش والمال هما السبيل الوحيد للنجاح ، وليس الجهد والمبادئ ، يضاف إلى ذلك ظاهرة "عواد الأكاديمي والمهني" الذي يسرق مجهود الآخرين ويزيف أبحاثاً علمية أو تقارير مهنية ليصعد فوق أكتاف الشرفاء ، ضارباً بعرض الحائط قيم الأمانة الفكرية،هذا التفريط الممنهج لا ينتج مجتمعاً فقيراً مادياً فحسب ، بل ينتج مجتمعاً مشوهاً نفسياً ، يقدس الاستهلاك ويهمش الفضيلة ، حتى يصبح الفساد الأخلاقي من استثناء منبوذ إلى قاعدة متعارف عليها ومبررة تحت مسميات "الذكاء" و"الفهلوة"، ومن هنا تكتمل المأساة ، حين ينقلب الميزان المجتمعي رأساً على عقب ، فيتحول الشخص الذي يدافع عن المبادئ والقيم ويتمسك بتاريخ أسرته وجذورها إلى "عدو" في نظر المحيطين به، يُنظر إلى هذا المتمسك بأخلاقه كأنه عقبة في طريق الصعود السريع ، أو مرآة تزعج الفاسدين وتذكرهم بسقوطهم ، فيحاربونه ويصفونه بـ"الرجعية" أو "المثالية الزائدة" التي لا تناسب العصر، تصبح العائلة التي تحاول الحفاظ على شرفها واسمها القديم عرضة لتهكم من بايعوا قيمهم ، حيث يُتهم المدافع عن الحق بأنه يفسد الصفقات ويفوت الفرص ، ليجد الشريف نفسه معزولاً أو منبوذاً لمجرد أنه رفض أن يكون "عواد" آخر، هذا التحول الخطير يجعل المجتمع بيئة طاردة للفضيلة ، حيث يُكافأ الانتهازي ويُعاقب المخلص ، مما يدفع الأجيال الجديدة إلى التساؤل بمرارة عن جدوى التمسك بالقيم إذا كان ثمنها الاغتراب والعداء من أقرب الناس ، إن خطورة هذا البيع الجماعي للقيم لا تكمن فقط في خسارة الفرد لنفسه ، بل في تآكل الثقة بين البشر وتحويل العلاقات الإنسانية إلى صفقات نفعية بحتة ، مما يؤدي في النهاية إلى تزييف وعي الأجيال القادمة وفقدان الهوية المجتمعية ؛ فالإنسان الذي يبيع أخلاقه وتاريخه يصبح كالأوراق الجافة التي تذروها الرياح ، بلا أصل يحميه ولا مستقبل يحترمه ، إن صرخة عبد المنعم مدبولي لم تكن مجرد مشهد سينمائي يبكينا ويصحينا، بل كانت نبوءة تحذرنا من زمن يصبح فيه الضمير أرخص السلع، واليوم ، يتوجب على المجتمع أن يدرك أن استعادة الأخلاق ليست رفاهية ، بل هي معركة وجود ؛ فالفلوس التي يجمعها "عواد" ببيع مبادئه وتاريخه وتاريخ أهله قد تبني له بيتاً من الوهم ، لكنها لن تشتري له قطرة كرامة واحدة ، ولن تمنحه احتراماً حقيقياً في عيون الناس ، ليبقى الدرس الخالد: من باع أصله وتاريخه ، فلن يجد في هذا العالم كله وطناً يلم شتات روحه الضائعة

مساحة إعلانية