مساحة إعلانية
لم أكن أعلم أن زمن السرعة سيصل بنا إلى أن تصبح حبة صغيرة سببًا في مآسٍ تنتهي بفقدان أرواح، وأن نسمع يومًا بعد يوم عن ضحايا جدد، بينما تظل الأسئلة نفسها معلقة دون إجابات كافية.
كل فترة نقرأ عن ضحية جديدة لحبة الغلة، ونشاهد حزن الأسر ووجع الأهالي، وتتصدر المأساة صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون، ثم تمر الأيام، وكأننا اعتدنا سماع أخبار الموت، وأصبحت أرواح الناس مجرد أرقام في صفحات الحوادث.
لكن السؤال الذي لا ينبغي أن نتجاهله: إلى متى ستظل حبة الغلة خطرًا يهدد حياة أبنائنا؟ وأين الإجراءات التي تمنع وصولها إلى من قد يستخدمها لإنهاء حياته؟
أتذكر في طفولتي فتاة تناولت مواد كيميائية، وانتهت قصتها بالموت. وقتها ظللت أتساءل كيف يمكن للحظة ألم أو يأس أن تنتهي بفقدان حياة كاملة. واليوم، وبعد مرور سنوات، ما زلنا نواجه مآسي مشابهة، وكأننا لم نتعلم بعد كيف نحمي من يمكن إنقاذهم.
أنا لا أكتب لأزيد من مشاهد الرعب، ولا لأروي تفاصيل قد تدفع شخصًا يمر بأزمة إلى التفكير في إيذاء نفسه، بل أكتب لأن وراء كل ضحية أسرة مكلومة، وأمًّا لن تنسى، وأبًا سيظل يحمل وجعه، وبيوتًا تغيرت حياتها إلى الأبد.
المؤلم أن بعض هذه المآسي قد تبدأ بلحظة يأس، بينما كان من الممكن أن تكون هناك فرصة للإنقاذ، لو وجد صاحبها من يسمعه، أو من يمد إليه يد المساعدة في الوقت المناسب.
فأين الرقابة على تداول هذه المادة؟ ولماذا لا تكون هناك إجراءات أكثر صرامة تمنع وصولها إلى غير المؤهلين للتعامل معها؟ وأين حملات التوعية التي تصل إلى البيوت والمدارس والقرى، لتشرح خطورتها، وتدفع الناس إلى طلب المساعدة بدلًا من الاستسلام للألم؟
نحن لا نتحدث عن منع مادة تُستخدم في أغراض زراعية فحسب، بل عن ضرورة تحقيق التوازن بين احتياجات الزراعة وحماية حياة الإنسان، من خلال إحكام الرقابة على تداولها، ومحاسبة المخالفين، وتطبيق القانون، وتوفير الدعم النفسي لمن يمرون بأزمات قد تدفعهم إلى التفكير في الانتحار.
فليس من المنطقي أن ننتظر وقوع المأساة حتى نتحرك، ثم نكتفي بعبارات الحزن والتعاطف، لنعود بعدها إلى الصمت حتى نسمع عن ضحية جديدة.
إن حماية الأرواح لا تكون بالبكاء على من فقدناهم فقط، بل بمنع تكرار المأساة، ومحاسبة المقصر، وفتح أبواب الأمل أمام من يظن أن نهايته هي الحل.