مساحة إعلانية
تحت الركام، تعانق الأنفاس روحًا خفية. شق الطفل أمواج البشر الفارين من الجحيم. الصمت كان أقلامهم، والشجر مدادهم. نظروا إليه، وعيونهم تبوح بالأسرار، ويشع داخله نور ينساب على كرسي الاعتراف. قطع طريق الصمت حين صدمته الشمس؛ لم تعد تسطع على حروف خرجت من قلب الجرح، وكأنها تهمس إليه.
غاب القمر، فأنشد الليل أنشودة البؤس والألم. اكتمل بدره في جراحهم الغائرة، فاستقى الطفل من نوره ليعبروا جميعًا جسر الخالدين. زاد حزنه أن أشجار الحياة الخضراء شكت له من مسّ الجفاف، وخطفها لحن الخريف الجائر على أوتار الجفاء. حاول سقياها من ماء الصبر على أرض الصمود. شكا له الصغار حجارة الأسى، لا تُحصى كالجبال. كم فقدوا الظهر والسند، وجف نهر العطاء. شعر وكأن روحه معلقة بأرواحهم، وجسده مثل الحجر يقاوم الألم بصلابته. حتى الجماد شكا له، فشعر أن كل نافذة مغلقة تخفي أنامل الصبر ووشوشة الأمل. قال له كل باب موصد خلفه جبل من الأسرار، وحتى الأنقاض تحصي بدماء الروح أسطورة الطوفان والصمود. بكى له شجر الزيتون المقلوع، وعزاؤه أنه يطرح ثماره في قلوب الأحرار.
وبقايا الدمار تكتحل بعين الإرادة والتحدي. ترتجف دقات قلبه في رحلة الذكريات: كانت هنا مدرسة تضحي ترابًا من رماد نار. كراسات وأقلام، وسبورة، وحروف مكتوبة بنور الأمل في الوجدان. وكان جرس الحرية يرن كل صباح، صداه ككروان يصدح في الآذان أنشودة البقاء. وكانت هنا ذكريات الحياة محفورة في قلوب من ذهب، لا يسكنها اليأس، ولا يحطمها طغاة الزمان. وكانت هنا بكارة الروح، والصباح يترنم، يرسم طريق الأمل وطوق النجاة.
أيها الصامتون… قنصوا الحياة، لكن الروح صامدة، حتى لو ذاب جفنه في التراب. وتبقى السماء معلقة بأنفاس الحرية.