مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الجائزة ( قصة قصيرة ) للدكتور مصطفى رجب

2025-12-16 08:21 PM  - 
الجائزة ( قصة قصيرة ) للدكتور مصطفى رجب
الشاعر الدكتور مصطفي رجب
منبر

- هل هذا منزل الأستاذ /إبراهيم السيد إبراهيم ؟
- نعم . أنا إبراهيم .
- تفضل . وقع هنا .
- ما هذا ؟
- برقية من مدرسة الزراعة الثانوية لاستدعائك للمدرسة .
اللهم اجعله خيراً . أنا تخرجت منذ عامين . وسحبت أوراقي . . هل اكتشفوا الغش الجماعي في امتحان الدبلوم فقرروا إلغاء شهاداتنا ؟ . . لم ينم إبراهيم ليلتها . . وفي الصباح هرع إلى المدرسة . كانت ساقاه طوال الطريق تختلجان . ودقات قلبه تعلو وتتسارع . . كأنها في سباق مجهول الغاية . . وأنفاسه تتردد بسرعة تفوق قدميه . . كان يشبه مجرماً هارباً من العدالة تم ضبطه ويساق الآن إلى رئيس المباحث .
- أهلاً وسهلاً يا أخ إبراهيم . ألف مبروك 
      آه . لقد بدأ الناظر بالسخرية . . هل أرسلوا لي برقية وحدي دون بقية الغشاشين ؟ . . أنا لم أفعل شيئاً يذكر بالقياس إلى زملائي الذين اعتدوا بالضرب على المراقبين . 
- يا حضرة الناظر . . والله العظيم أنا . . 
- نحن فخورون بك . وسعداء برؤيتك بعد هذه المدة .
- أنا يا حضرة الناظر في الحقيقة . . . 
- أنت شرفتنا . . ورفعت رؤوسنا ربنا يزيدك .
المعروف عن الناظر أنه رجل مهذب . فلماذا يسرف في السخرية والاستهزاء ولا يعطيني أية فرصة للدفاع عن نفسي . . لا . . هذا غير محتمل . . لابد من الرد .
- اسمع يا حضرة الناظر . . 
- هل أنا وحدي سأسمع ؟ لقد سمعت بك المنطقة كلها : المحافظة والمديرية . والأمن . والإعلام .
هل هذا ممكن ؟ هل نشروا حالات الغش الجماعي في الصحف ؟ وما الذي جعلهم يسكتون عنها عامين وبعض الثالث ؟ أم أن هناك كارثة أخرى أكبر ؟ . . ثم . . 
- يا حضرة الناظر . أنا لم أفعل شيئاً . أنا مجرد مسمار صغير في ماكينة كبيرة . أنا مجرد ذبابة في كوم زبالة . أنا آسف على ما حدث . 
- عجيب أمرك يا بني . أتأسف لعبقريتك وإبداعك وتفوقك وتميزك ونجاحك الباهر . 
كدت أبكي من هذا السيل المتدفق من التوبيخ والتقريع النازف كالمطر وضاق صدري حتى كدت أفقد صوابي . . 
- يا حضرة الناظر . أرجوك ليس عندي وقت ما المطلوب بالضبط ؟
صفق الناظر بيديه فجاء ساع فأمره الناظر أن يرسل إليه الأستاذ / عبد الحفيظ ومعه الشهادة . لم أفهم شيئاً فأنا لا تربطني بالمدرسة شهادات إلا شهادة الدبلوم وقد تسلمتها من زمن لكنني بدأت أحس أن الموضوع يوشك أن يكون خيراً . 
- خير يا حضرة الناظر . ماذا حدث ؟
- لقد أرسلت لك الوزارة شهادة تقدير وشهادة ادخارية بمبلغ عشرة جنيهات من تلك الشهادات التي تفوز في السحب بمئات الآلاف .
- وكل هذا لماذا ؟
- يقولون في رسالتهم المرفقة بالجائزة : ( يمنح هذه الجائزة لتفوقه في مجال الخطابة والشعر والقصة )
باسم الله ما شاء الله . أنا ؟ أنا تفوقت في الخطابة والقصة والشعر ؟
 والوزارة نفسها تكرمني بهذه الجائزة ؟ 
. . الخطابة . . ؟
 إلا الخطابة !! أنا لا أجرؤ على مخاطبة ماسح الأحذية عندما يرفع عينيه ليتحدث معي . . يهبط قلبي في قدمي . . وأحس بمحاصرة عينيه . . فكيف بمئات الأعين ؟ . . أنا لم أتخيل نفسي في هذا الموقف طوال حياتي . . وكثيراً ما حسدت الخطباء . . والقصة ؟ والشعر أيضاً ؟ ما هذه الألغاز ؟ . . آه . . لابد أن الجائزة لذلك الولد الساهي إبراهيم السيد إبراهيم زيتون . الذي يشابهني في الأسماء الثلاثة الأولى . فقد كنا نسمع أنه عاشق ولهان وأنه يكتب الشعر والقصة . . ولم يرسب مثلي في الإعدادية والابتدائية وكان يقضي كل وقته في مكتبة المدرسة . . 
- مبروك يا أستاذ إبراهيم . تفضل وقع على هذه الاستمارة بأنك تسلمت الجائزة . . 
وقعت بسرعة وكانت عيناي تنظران في لهفة إلى الاسم الرابع (زيتون ) فلا تجدانه في أي ورقة . لم أهتم بتوجيه الشكر ولا الرد على تحيات الناظر وتهليله وغادرت المدرسة مسرعاً . . قبل أن يندموا أو يكتشفوا الحقيقة . . 
ومرت شهور وشهور . وعام وعام وعام . وأنا أتابع نتائج السحب في الصحف . . أنفقت على شراء الصحف ما يعادل مهر عروس فقيرة ولكنني – تمسكاً بأهداب الحكمة – لم أتزوج انتظاراً للجائزة الكبرى . . 
البنت الهلفوتة " سهير " زميلتي في العمل تسخر دائماً من انتظاري للجائزة وتكرر عبارتها المميتة :" يحيينا ويورينا " .... هذه المستهزئة بي سأتزوجها بفلوسي . . لن تستطيع مقاومة سحر الشقة الفاخرة التي سأنتقل إليها وأترك هذه الحجرة القذرة التي تشاركني فيها الصراصير كل لحظاتي ليلاً ونهاراً . سأستريح من هذا الضجيج فلا أستيقظ على أصوات أولئك النسوة وهن ينفضن البطاطين كل صباح بالعصي الغليظة فيما يتبادلن " الردح " والغيبة والنميمة وأحاديث الليلة الفائتة التي تبدأ غالباً بكلمات مهذبة عن الطقس والجو وتنتهي بغمزات تتخللها ضحكات مفضوحة السبب .
تحققت أحلام إبراهيم فجأة . حين وجد رقم شهادته فائزاً بالجائزة الأولى " ربع مليون جنيه . . " كاد يجن وهو يرتدي ملابسه في سرعة الصاروخ . أمسك بالشهادة وتأبط الصحيفة ولم ينتظر الأتوبيس كعادته. بل قفز في سيارة أجرة . ولكنه ما إن وصل إلى البنك حتى فوجئ بالموظف يطلب منه الانتظار أسبوعاً حتى تكتمل الإجراءات . . . 
- بسيطة الأسبوع سيمر كأنه يوم .
- بل سيمر كأنه عام .
- المهم أنه سيمر . . فماذا ستفعل بالجائزة ؟
نظر إلى عينيها فوجد فيهما رحمة ولطفاً ووداً لم يكن يراه في عينيها من قبل حين كانت تمصمص شفتيها ساخرة وتقول وهي تجر الكلمات جراً وتحول وجهها عنه إلا عينيها " يحيينا ويورينا . . " 
- هل ستتزوجينني يا سهير ؟
- أعطني فرصة أسبوع وسأرد عليك .
مر الأسبوع . . وتغيب إبراهيم عن العمل ثلاثة أيام . . فقالت سهير قلقة لزملائها : ألا يحسن بنا أن نسأل عنه ؟ هز الجميع رؤوسهم بلا اهتمام . وخيل إليها أن توقعاتهم صدقت : سيستقيل إبراهيم ويبحث عن عمل آخر . . فهو لم يعد زميلنا . لقد انتقل إلى طبقة أعلى . . ومن اليوم لا يجوز أن نناديه بأقل من إبراهيم بك . هذا إذا استطعنا رؤيته مرة أخرى . . لم يعلم الزملاء أن إبراهيم حين ذهب إلى البنك . سألوه عن الاسم الرابع فقال : " بطيخ " .قالوا له إن الشهادة باسم إبراهيم السيد إبراهيم زيتون . فسقط في إغماءة طويلة ، وما يزال .!!

مساحة إعلانية