مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الجميلي أحمد يكتب:كلما اقتربت من عادل عبد الموجود ابتعدت عن الصورة النمطية للمثقف

2026-07-23 01:43 PM  - 
الجميلي أحمد يكتب:كلما اقتربت من عادل عبد الموجود ابتعدت عن الصورة النمطية للمثقف
الجميلي أحمد

*من سلسلة مقالات الإنسان قبل النص

هناك أشخاص لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تعرفهم لأن المواقف تختصر العمر كله وهناك آخرون يكتبون عشرات الكتب ولا تستطيع أن تعرف حقيقتهم إلا بعد زمن
 أما عادل عبد الموجود فقد عرفته من موقف قبل أن أعرفه من قصيدة ومن كلمة قبل أن أعرفه من كتاب
كانت بداية المعرفة بعد إحدى الندوات التي كنت متحدثًا رسميًا فيها
انتهت الندوة وتفرق الحضور ثم تقدم نحوي رجل لم ألتق به من قبل ومد يده مصافحًا وقال أحبك بسبب موقفك في اتحاد كتاب مصر الذي أنا عضو مجلس إدارته
 شكرته وأنا لا أعرفه فقال جملة بقيت عالقة في ذهني حتى الآن
 أنا أعرف الناس من مواقفهم ومن أعرفه من خلال موقفه أقدره أكثر وأحترمه
من تلك اللحظة بدأت المعرفة
تكررت اللقاءات واكتشفت أن الرجل الذي جاء ليصافحني لم يكن يبحث عن مجاملة عابرة بل كان يحمل طريقة خاصة في رؤية الناس
 وكلما اقتربت منه اكتشفت أنني أمام إنسان يسبق المثقف وأن المثقف عنده يسبق الشاعر وأن الشاعر لا ينفصل أبدًا عن الناقد
عادل عبد الموجود لا يرتدي الثقافة كما يرتدي البعض ثوبًا للمناسبات
الثقافة عنده أسلوب حياة
 تقرؤها في حديثه قبل أن تراها في كتبه وتلمسها في طريقة إنصاته أكثر مما تسمعها في كلماته. لا يتحدث ليقول إنه يعرف وإنما يتحدث لأنه قرأ وتأمل وفكر طويلًا قبل أن يتكلم
وخارج كل المناصب والصفات الأدبية يبقى الإنسان هو أكثر ما يلفت الانتباه فيه 
رجل مضياف بطبيعته يحب الناس دون تكلف ويستقبل أصدقاءه بمحبة صادقة وما زال يحتفظ داخله بطفل يعشق لمة الأدباء ويؤمن بأن الحوار الحقيقي لا يولد إلا حين تجتمع القلوب قبل المقاعد 
تشعر معه أن الثقافة يمكن أن تكون بيتًا واسعًا لا ساحة صراع وأن الاختلاف لا يفسد المودة إذا حضر الاحترام
ربما لهذا استطاع أن يجمع بين مسارات تبدو متباعدة  
درس العلوم والإعلام والحاسب الآلي والموسيقى وعمل سنوات طويلة في الإعلام الثقافي وقدم مئات الحلقات ثم واصل رحلته شاعرًا وناقدًا وباحثًا دون أن يطغى جانب على آخر 
كانت كل تجربة تضيف إليه رؤية جديدة وتمنحه قدرة أوسع على فهم الإنسان قبل النص
أما عادل الشاعر فهو شاعر يعرف جيدًا أن القصيدة لا تصنعها البلاغة وحدها وإنما تصنعها الحياة
 يقرأ كثيرًا ولذلك يكتب قليلًا بمعنى الكلمة
 لا يطارد الصورة الشعرية وإنما تأتيه لأنها نتيجة طبيعية لعين اعتادت أن ترى ما يغيب عن الآخرين 
يلتقط التفاصيل الصغيرة ويحولها إلى مشهد نابض بالحياة ويصنع من التجربة الإنسانية لغة تقترب من القلب قبل أن تدهش العقل.
وحين يجلس على مقعد الناقد يتحول إلى قارئ شديد اليقظة 
يمتلك قدرة لافتة على التقاط ما يخفيه الكاتب بين السطور وما يرمز إليه دون تصريح
لا يكتفي بظاهر النص بل يغوص إلى طبقاته العميقة ويقرأ ما وراء الكلمات 
وهذه موهبة لا تمنحها الكتب وحدها وإنما تصنعها الخبرة والقراءة الطويلة وحس المبدع الذي يعرف كيف يولد النص وكيف يتنفس
ولأنه يؤمن بقيمة الأدب فإنه لا يعرف المجاملة في النقد
 يناقش الأعمال بجرأة واحترام ويقف أمام كل فكرة وكل صورة وكل تركيب وكأنه يعيد اكتشاف النص من جديد
قد يرى بعض الناس في صراحته قسوة لكنني أراها احترامًا للأدب ولصاحبه لأن الناقد الذي يجامل لا يبني تجربة ولا يضيف إلى كاتب شيئًا أما الناقد الذي يواجه بصدق فإنه يمنح الكاتب فرصة جديدة ليرى عمله بعين أخرى
وأنا أكتب عنه لا أجدني مشغولًا بعدد دواوينه ولا كتبه ولا عضوياته بقدر ما يشغلني ذلك الإنسان الذي جاء يومًا ليقول كلمة صادقة صنعت معرفة ثم تحولت المعرفة إلى تقدير ثم تحول التقدير إلى يقين بأن القيمة الحقيقية للمثقف لا تقاس بما نشره من كتب فقط وإنما بما يتركه من أثر في نفوس من يلتقونه
لهذا أستطيع أن أقول إن عادل عبد الموجود من أولئك الذين إذا تحدثت معهم اكتشفت الإنسان قبل المثقف وإذا قرأت لهم اكتشفت المثقف قبل الشاعر وإذا استمعت إلى نقدهم أدركت أن الصدق لا يزال ممكنًا في زمن أصبحت فيه المجاملة عملة رائجة
وربما لهذا كله استحق أن يكون أحد وجوه سلسلة الإنسان قبل النص لأن النصوص مهما بلغت قيمتها تظل امتدادًا لصاحبها وما أجمل النص حين يولد من إنسان جميل

مساحة إعلانية