مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الرقصة الأخيرة للبعوة

2023-10-24 04:22 PM  - 
الرقصة الأخيرة للبعوة
القاص سعيد رفيع
منبر

سعيد رفيع
سليمة أولى الضحايا .. كانت بمفردها في البيت .. وأمها في زيارة للجيران .. وعندما عادت الأم وجدت باب الدار مفتوحا ، والبنت ملقاة على العتبة .
تقول الجدة حسينة أنها على علاقة وثيقة بالجان الطيبين ، أما الجان الأشرار فهناك عهد بينها وبينهم بألا تفضح سرهم ، فالبعو هو الجان الشرير الذي يسكن الأرض السابعة . ثم تستطرد الجدة حسينة : البعو له زوجة نصف جنية ونصف إنسية تدعى البعوة ، وكان البعو يهيم بها حبا في بادئ الأمر ، ولكنها عصت أمره ذات ليلة ، كان من نتيجتها أنه عزف عن معاشرتها ، حتى يكيدها ، فقد سخرها رغما عنها لتجلب له أجمل العذارى من الإنس كي يعاشرهن على فراشها وعلى مرأى منها ، ومن يومها وهي مسخرة لهذا الغرض دون أن تجرؤ على الاعتراض ، حتى لا ينتقم منها البعو ، فيحولها إلى كتلة من النار .
وتسترسل الجدة حسينة:
تخرج البعوة إلى السطح، من أي شق من شقوق الأرض، يتصاعد من الشق دخان أبيض كثيف في البداية، ثم ينقشع الدخان لتتجلى البعوة في شكل إنسية ترتدي النقاب كدأب حريم العربان، وتتجه مباشرة إلى منزل البنت التي يشير لها البعو، ولا بد أن تكون البنت بمفردها بالدار في تلك اللحظة، فتطرق البعوة على الباب، وعندما تفتح لها البنت تمد لها البعوة يدها لتصافحها، وبمجرد أن تتم المصافحة تصاب البنت بالغيبوبة، وتسقط من طولها على عتبة الدار.
وعندما تفقد البنت وعيها، والكلام لا يزال للجدة حسينة، لا يتبقى منها فوق الأرض سوى جسد كاذب، أما جسدها الحقيقي فيكون في سابع أرض مع البعو، وبعد أن يقضي البعو حاجته يعود للبنت جسدها الحقيقي، وتفيق من غيبوبتها، ولكن دون أن تتذكر شيئا عما جرى لها، كما تعود للبنت عذريتها وبكارتها حتى يستدعيها البعو من جديد لسابع أرض. تتحدث الجدة حسينة بثقة شديدة ، وتقول على ابناء القبيلة أن يرشوا الشيح المدقوق على عتبات منازلهم ، ذلك أن رائحة الشيح تؤذي البعوة ، وتمنعها من الاقتراب من البيوت ، أما إذا أراد اهل القبيلة أن يتخلصوا من البعوة إلى الأبد ، فلا مناص من أن يقوم فتى بالغ بلمسها في أي منطقة من جسدها ، وحيث أن البعوة تكون متدثرة بالثياب من رأسها إلى أخمص قدميها ،  فإن مجرد ملامسة الفتي لثيابها تكفي للقضاء عليها ، إذ تتحول البعوة على الفور إلى كرة مشتعلة من النار ، ثم تخمد النار ويتطاير رمادها في الهواء دون رجعة ، وتؤكد الجدة حسينة أن البعو قد وجد في بنات القبيلة الجميلات ضالته ، وأن مزيونة ستكون ضحيته القادمة . وكان لا بد لأهل القبيلة من حل دائم يخلصهم من البعوة ، وكان الحل جاهزا عندهم ، لا بد من أن يتطوع أحد فتيانهم بملامسة البعوة ، كما نصحت الجدة حسينة ، والخطة بسيطة للغاية ، إذ لا تتطلب سوى أن تنتظر القبيلة أول عرس زواج يقام في النجع ، وفي هذا العرس ترقص مزيونة بين صفوف الرجال ، ومن المؤكد أن البعوة التي فشلت مرارا في أسر مزيونة لن تغيب عن العرس ، بل ستأتي خصيصا كي تتظاهر بمشاركة مزيونة في الرقص ، ثم تقترب منها رويدا رويدا حتى تلمس يدي البنت ، عندئذ ستسقط مزيونة في غيبوبة . وحتى تفوت الفرصة على البعوة ، كان عليهم أن يتخيروا فتى يتنكر في ثياب امرأة ، وعلى الفتى أن ينزل الحلبة بمجرد دخول البعوة إليها ، عليه أن يتظاهر أيضا بالرقص ، ثم يقترب رويدا رويدا من البعوة ، وبمجرد أن تصبح في متناول إحدى يديه ، عليه أن يلامسها أو أن يلامس ثيابها ، عندئذ ستطلق البعوة صرخة مرعبة ، ثم تسقط متكورة على الأرض ، وسرعان ما تندلع فيها النيران لتهلك دون رجعة . أوصت الجدة حسينة بأن يتم التشديد على جميع نسوة القبيلة بعدم النزول إلى حلبة الرقص، مزيونة فقط هي المسموح لها بذلك، باعتبارها مجرد طعم لاستدراج البعوة ، عندئذ يمكن التعرف على البعوة بسهولة . وبالطبع تم إطلاع والد مزيونة على الخطة، فتردد في بادئ الأمر، ثم اضطر للموافقة، وترددت مزيونة أيضا، بل رفضت رفضا قاطعا فكرة الرقص مع البعوة في حلبة واحدة، ثم عادت ووافقت بعد أن وقع الاختيار على عمران خطيب مزيونة ، كي يشاركها الرقص في الساحة متنكرا في ثياب امرأة .
بعد صلاة المغرب مباشرة ، اصطف الرجال في صفين متقابلين ، بينما جلست النسوة حيث يصطف الرجال ، ورقصت مزيونة كما لم ترقص من قبل ، إذ رغم جزعها من مجرد التفكير في قدوم البعوة ، إلا أن شعورها بالزهو كان قد فاق شعورها بالجزع ، يكفي أنها انتزعت اعترافا صريحا من جموع القبيلة بأنها أجمل البنات ، ويكفي أن عمران سيشاركها الرقص لأول مرة ، كانت ترقص وعيونها تبحث عنه من خلف النقاب ، وجالت بعيونها كثيرا بين صفوف الرجال ، ثم تذكرت أن الخطة تقضي بأن يتنكر عمران في ثياب امرأة ، فولت وجهها صوب النسوة المتربعات على الأرض ، تبحث بينهن عن فتاها . امتد العرس في اليوم الأول بعد منتصف الليل، دون أن يظهر للبعوة أي أثر، وانتهى اليوم الثاني كذلك من دون بارقة أمل في ظهورها، وبدأ الشك ينتاب الجميع في صحة ما تروج له الجدة حسينة، وعاد البعض يسخر مرة أخرى من تخاريف الجدة. في اليوم الثالث والأخير، اصطف الرجال في صف واحد كبير، واحتشد الفتيان من ضاربي الدفوف ، وشرعت مزيونة في الرقص السريع ، وبمجرد أن شرعت في الرقص سرت همهمة بين الرجال ، بعد أن شوهدت امرأة منقبة ، تختلف عن نسوة القبيلة في ثيابها ومظهرها ، وهي تنسل إلى الساحة لتشارك مزيونة الرقص .
بمجرد ولوج البعوة إلى الساحة كاد أن يغشى على مزيونة من الرعب، وهمت بأن تصرخ أو تغادر الساحة لتنجو بجلدها، ولكن دخول عمران إلى الساحة مباشرة في أعقاب البعوة ، أشعرها ببعض الطمأنينة ، فاستمرت في رقصها المرتبك، وحرصت أن تبتعد بقدر الإمكان عن البعوة ، كما حرصت ألا تعطي البعوة ظهرها تحت أي ظرف من الظروف . وبالطبع فإن هروب مزيونة من الساحة لم يكن ممكنا حتى لو أرادت، ذلك أنه بمجرد ولوج البعوة ثم عمران الساحة، عمد الرجال إلى تشكيل حلقة حولهم لمنع البعوة من الهرب، فعل الرجال ذلك دون أن يتوقفوا عن الغناء، ودون أن يتوقف الفتيان عن ضرب الدفوف، ثم عم الحماس النسوة فارتفعت الزغاريد، وتركت بعضهن أماكنهن وهرولن ليشكلن حلقة أخرى خلف الرجال، يحاولن التطلع من بين الأعناق على ما يجري في الساحة. ويبدو أن البعوة فطنت إلى ما يجري حولها، فتوقفت برهة عن الرقص، وأخذت تتطلع إلى الطوق المضروب حولها، ثم راحت تمعن النظر في عمران، وكان عمران قد اقترب كثيرا من البعوة في تلك اللحظة، ولكن البعوة كانت تبتعد خطوتين كلما اقترب منها خطوة. استحكمت الحلقة حول البعوة ، فعادت إلى الرقص من جديد ، كان رقصها عصبيا كرقص الزار ، وازدادت عصبيتها بعد أن عمد الرجال إلى تضييق الحلقة حولها أكثر فأكثر ، حتى أصبحت المساحة التي يرقص فيها الثلاثة محدودة للغاية ، وكان معنى هذا أن يزداد الخطر على مزيونة ، إذ أن قدرة مزيونة على المناورة أصبحت محدودة أيضا ، وازداد شعورها بالرعب حتى همت أن تصرخ طلبا للنجدة، ولكن عمران أعفاها من ذلك باقترابه أكثر فأكثر من البعوة ، وعندها عمدت مزيونة إلى مد يديها متظاهرة برغبتها في مصافحة البعوة ، فعلت ذلك حتى تبعد انتباه البعوة عن عمران ، الذي اقترب من البعوة لدرجة كانت كافية كي تمتد يمناه لتلمس رأس البعوة ، وتشد نقابها إلى الأرض . فعل عمران ذلك بسرعة مذهلة ، ويبدو أن الرجال لم يتوقعوا أن يحدث ذلك بهذه السرعة ، فحبسوا أنفاسهم ، وتراجع بعضهم مرتاعا ، فارتدت النسوة بدورهن ، وترقب الجميع أن تصرخ البعوة ثم تتحول إلى كرة من نار ، ولكن هذا لم يحدث ، إذ كشفت البعوة عن وجهها فجأة ، ثم اقتربت من عمران وهي تشعر بالحرج .. وقالت: " أنا أم عبدالرحمن .. من جيرانكم. "

مساحة إعلانية