مساحة إعلانية
وقد جاء فى كتاب " العاطل الحالى والمـُرخص الغالى " لصفىّ الدين الحِلّى ، أن النقاد - قديما - اتفقوا على أن فنون القول الشعرى سبعة ، و لكل فن من هذه الفنون السبعة ، بحر شعرى خاص ، وطريقة تقفية خاصة ، ( فضلا عن اختيار المفردات المناسبة لموطن الفن ، فلكل أدب بيئـته التى لا يمكن فصله عنها، وبالطبع لا ينجح من لم يخاطب الناس بلغتهم )
ومن الفنون هذه ، ثلاثة بالفصحى ، ولا تقبل اللحن ( اللحن هو عدم التشكيل أى التخلّى عن الإعراب )، وهى :
فن الشعر القريض ، وفن الموشح ، وفن الدوبيت
وثلاثة ملحونة ( أى باللهجة الدارجة) ، ولا تقبل الـتفصيح ، وهى :
فن الزجل ، وفن القوما ، وفن الكان وكان ،
وبين هذه و تلك ، يكون فن المواليا ، يقبل الفصحى والعامية ، ( ويسمّى فى مصر بـالموّال أو "القُولة" ، أو الرباعى ، أو الموال البغدادى ، نسبة إلى بلده الأصلى بغداد عاصمة العراق ) ،
وهذه الفنون السبعة زيد عليها مؤخرا بعض الأنواع القولية الشعرية الأخرى
( باستحداث فنون جديدة كـ "الواو" و"النميم " ، و " الكف" ، و " العدّودة " ، وغيرهما ، كما سنبيّن )
ويُعرّف " المواليا " بأنها مقطوعة شعرية مكونة من أربعة أشطر ( من بحر البسيط) ، تُكتب أشطرها رأسيا فوق بعضها ، ولها قافية واحدة - وكأنها أبيات شعرية مقفّاة - و تتّسم القوافى غالبا بالجناس ، مثال على ذلك ، الموال البغدادى الذى يقول :
( طَـرَقْـت باب الخِـبَا قالت مَنِ الطــارقْ
فقُــلت مفتـــونْ لا ناهِــبْ ولا سارقْ
تَبَـــسّمَــت لاح لى مِـن ثَـغـــرِها بــــارِقْ
رِجِـعْت حيران فى بحـــور أدمُــعِى غارقْ )
وفى هذه " القولة " ، نلاحظ أن الشطرين الأول والثالث ، يمكننا أن ننطقهما بالتشكيل اللغوى ، أى باللغة الفصحى
أما الشطران الثانى والرابع ، فهما ملحونان ،( بسبب إهمال التشكيل على بعض الكلمات فيهما)
وللتراث الشعبى الذى ورثناه ، مصادر عِدّة ، لا تتوفر إلا لمن يعايش أهل هذا التراث ، ويخالطهم أى يعيش بينهم ولو لفترة من الزمن ) ،
ونشير هنا إلى ما قاله بيرم التونسى ، من أن الفن اللهجى لا يؤخذ من الكتب بالقراءة ، بل يؤخذ عن ألسنة أهله بالمعايشة الحقيقية لهؤلاء الناس ، للرصد والتلقّى ، وذلك لأن الشعر الشعبى هو من بنات المجتمع ، وعلى الأخص عندما تكون المجتمعات متباينة فى العادات والتقاليد و طريقة القوالة - إن جاز التعبير - بل أحيانا تكون اللهجات شديدة التباين
ومن المتفق عليه أن أى فن قولى من هذه الفنون ، لا يُترجم إلى غير لُغته ، فعلى سبيل المثال ، نظرًا لأن
لغة " فن الواو " مزروعة ، فى الضمير الشعبى بصفاتها ، من بساطة القول ، و عمق المعنى ، والمشاركة الوجدانية بين القوّال والمتلقى ، ومدلولات الـجُـمَل و الألفاظ فى بيئتهم .. نجد أن جماليات القول لهذا الفن القولى - كما قالوا - جماليات شفاهة لا جماليات كتابة ، تنبع من ذلك كله ..
ونظرا لأن فن المواليا يقبل الفصحى والعامية ، فهذا يُعدّ - عند النقاد - تزنيما أو تهجينا ( بمعنى الاختلاط الفصحى والعامية )، وفى هذا ما فيه ، من إرباك المتلقى ، و بالذات المتلقى غير المتخصص- و من هنا فإن
" صفىّ الدين الـحِلّى " يقول إن العامية فى المواليا أجمل وألْيق ، و لذا ، فقد صاغه المصريون بالعامية ، و أيضا هم أدخلوا بعض التغيير الطفيف على قالب الموال ، فجعلوا - أحيانا- قافية شطره الثالث حرة ..
ومن قالب القوافى المتفقة قالوا :
( فى يوم ما عَـدُّوا الغلابة مع المساكين عَدُّونى
فى الــبــــحر عَـدُّوا وانا واقــف ما عــــدُّونى
صاحـــــبـْـت ناس أتعــــبُـوا قلبى و عـــــدّونى
واديــنى صابــر عـــلى الخايـــن و عا الــــدُّونى )
…
ومن قالب تحرير القافية الثالثة :
نجد موالا للقوّال عبد الستار سليم - كاتب هذه السطور - قال فيه:
( بَـــخْـت الـخَـسِـــيــس اتـعَـدَل لـمّا الـزمَـن غَلّاه
و رَخّـص ابــن الأصـــــــول وِفْ قِـدْرِتُــه غَــــــلّاه
فَـرَدت قِــــلـعِـى عـشان ارحَــل خانَــتـــنِى الــريح
وِ دَرَسْــت جُــــر نِى طِــلِـع تِــبــنُـه بَــلا غَـــلّاه
……
بل ابتدع الشعراء المصريون ، قوالب أخرى كالموال الخماسى والموال السداسى ، والموال السباعى ـ أو السبعاوى ـ والموال القصصى ..!
و أصبح قالب المواليا عنوانا لفصيلة فن التربيع ، أى القالب الرباعى ، كمظلّة تضمّ تحتها العديد من أشكال الرباعى أو القولة ، ومنها فن الموّال الرباعى ، وفن الدوبيت ، وفن " القوما"، وفن " الكان وكان " ، والمربع الزجلى ( الذى كان يكتبه بيرم ومن جاء بعده ) والرباعية ( التى كان يكتبها صلاح جاهين ومن جاء بعده) ، والعدُّودة ( التى تقولها المرأة - فى بكائياتها - فى صعيد مصر) ، وفن "الواو" ( الذى راج فى منطقة قنا وما جاورها )، وفن النميم ( الذى راج عند قبائل البشارية ، والعبابدة ، والعليقات ، فى جنوب مصر ) ، وغيرها ..!
و نخلص إلى أن لكل قالب من هذه القوالب ، خصائصه ، التى تميّزه عن غيره ، هذه الخصائص ثابتة لا تتغير، ولذا تعددت أسماء هذه القوالب ، بتعدد خصائصها ..!!
