مساحة إعلانية
أيمن الداكر
وضعت حملها في المقعد الخلفي في "التوك توك" وجلست بجواره، مَقْطَف من خوص النخيل الجاف يحوي بداخله حبّات الفجل والجرجير والكُرَات، يعلوه إناء من الألومنيوم به بعض من الجبن القريش الطازج، والبيض البلدي الصغير وكرات الكشك، الطريق طويل وشبه مظلم، فالشمس لم تسبل أشعتها على الأرض بعد، مع اهتزازة "التوك توك" وإرهاق الاستيقاظ مبكرًا أصابتها غفوة قصيرة، ارتخت (الطرحة) السوداء من أعلى رأسها لتكشف عن شعر فاحم وجيد طويل وبض، ومفرق نهدين نافرين، لقد تجاوزت الأربعين من عمرها لكن جسدها اللدن ونضارة بشرتها توحي لمن يراها بعمرٍ أقل، وقد تميّزت بشفتين غليظتين توارثتهما عن أمها الصعيدية، تفترش ببضاعتها أرض سوق السيدة عائشة كل صباح، يعبر بها "التوك توك" بين المقابر اختصارًا للمسافة والوقت، ثم يعود إليها بعد صلاة الظهر، كان زوجها يعمل في البناء قبل أن تصاب ساقه وتقعده عن العمل، فخرجت هي إلى الأسوق تبيع وتشتري، وقبع هو في البيت لرعاية الأطفال.
بعد منتصف الطريق، انعطف "التوك توك" يسارًا إلى عطفة ضيقة، وعندما أفاقت من غفوتها مع توقف "التوك توك" عن السير، وجدت السائق قد ترجّل منه ودفس رأسه في المقعد الخلفي على مقربة من وجهها، سألت عما حدث، فأجابها بتنهدات حارةّ شبقة، ولامس بكفه خدها الأيمن، دفعت يده غاضبة وهي تقول:
- أنا قدر أمك يا قليل الرباية.
- هي أمي بالحلاوة دي؟
ثم استطرد وهو يشهر مِطْواة صغيرة في وجهها قائلًا:
- انزلي.
- عيب يا شحاتة، دا أمك صاحبتي.
- وأنت حبيبتي
ثم زعق فيها وهو يأمرها مرة أخرى بالنزول، وقد اقترب نصل السكين من حبل الوريد، وشعرت بوخزٍ شديد في رقبتها، فترجّلت وهي تلعن تجار (الشابو) والحشيش، دلف بها في أحد المقابر التي يعرفها جيدًا، وعندما اقترب منها ليلثم جيدها كانت قد تمكّنت من ذراعه واختطفت المِطْواة من يده.
• من مجموعة " أنف كبير وثلاث عجلات"