مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

تأمين واستثمار

حين تتكلم المدافع… ترتجف أسواق التأمين

2026-03-14 07:44 PM  - 
حين تتكلم المدافع… ترتجف أسواق التأمين
اتحاد شركات التأمين
منبر

الحرب الأمريكية – الإيرانية تعيد رسم خريطة الأخطار العالمية (الجزء الثاني)
كتب : عاطف طلب 
لم تعد الحروب في عالم اليوم مجرد صراع عسكري بين دولتين، بل تحولت إلى زلازل جيوسياسية تمتد ارتداداتها إلى الاقتصاد العالمي ومراكز المال وأسواق الطاقة والتجارة الدولية. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت آثار هذا الصراع تتجاوز حدود السياسة والعسكر لتصل إلى واحدة من أكثر الصناعات حساسية للمخاطر وعدم اليقين: صناعة التأمين وإعادة التأمين. فهذه الصناعة التي تقوم في جوهرها على قراءة المستقبل وتقدير الأخطار تجد نفسها اليوم أمام مشهد عالمي أكثر اضطراباً، حيث تتداخل الحروب مع تقلبات الأسواق وتعطل سلاسل الإمداد والهجمات السيبرانية، في معادلة معقدة تعيد رسم خريطة الأخطار في المنطقة والعالم.
اقتصاد عالمي على حافة اضطراب جديد
التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبقى في ساحات القتال، بل تنتقل سريعاً إلى أسواق المال والطاقة والتجارة. ومع تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، بدأت ملامح هذا السيناريو تتشكل بالفعل، حيث ارتفعت أسعار الطاقة بصورة حادة، وسط مخاوف متزايدة من اضطراب إمدادات النفط إذا ما تعرضت البنية التحتية للطاقة في المنطقة لأضرار أو إذا تعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ارتفاع أسعار النفط لا يعني فقط زيادة تكلفة الطاقة، بل يفتح الباب أيضاً أمام موجة تضخم عالمية جديدة، وهو ما يضع البنوك المركزية أمام معضلة شديدة التعقيد. فمواجهة التضخم تتطلب تشديد السياسة النقدية، بينما يحتاج الاقتصاد المتباطئ إلى سياسات تحفيزية، وهو ما قد يقود العالم إلى سيناريو الركود التضخمي الذي يعد أحد أكثر السيناريوهات إرباكاً للأسواق.
وفي مثل هذه الأجواء، تصبح صناعة التأمين وإعادة التأمين في قلب العاصفة، حيث تتأثر محافظها الاستثمارية بتقلبات الأسواق، بينما ترتفع في الوقت ذاته احتمالات التعويضات الناتجة عن المخاطر المرتبطة بالحرب وتعطل التجارة وسلاسل الإمداد.
التأمين البحري أول الضحايا
القاعدة الثابتة في عالم التأمين تقول إن أول القطاعات تأثراً بالحروب هو القطاع المرتبط بالتجارة والنقل الدولي. لذلك لم يكن مفاجئاً أن يأتي التأمين البحري في مقدمة الفروع الأكثر تعرضاً لتداعيات النزاع الأمريكي – الإيراني.
فمنذ اندلاع التوتر العسكري في أواخر فبراير، تعرضت عدة سفن تجارية لهجمات في مضيق هرمز، كان آخرها استهداف ثلاث سفن شحن في مارس 2026، وهو ما أعاد إلى الواجهة أخطار الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية. ومع كل حادثة من هذا النوع ترتفع أقساط التأمين البحري، كما تتزايد شروط الاكتتاب تشدداً، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة التجارة العالمية.
ويأتي تأمين الطيران في المرتبة الثانية من حيث التأثر، يليه تأمين الأخطار السياسية والعنف السياسي، إلى جانب قطاعات أخرى مثل تأمين الطاقة والممتلكات والائتمان التجاري. كما أن تصاعد التوترات قد يرفع احتمالات وقوع هجمات إرهابية أو عمليات تخريبية انتقامية، وهو ما يزيد من احتمالات المطالبات في المدن الكبرى والمراكز الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، قد تتجه شركات إعادة التأمين إلى تقليص قدرتها الاستيعابية في بعض هذه القطاعات، في محاولة لإعادة ضبط مستويات التعرض للمخاطر في بيئة جيوسياسية غير مستقرة.
واشنطن تتدخل لحماية شريان النفط
أمام هذه التطورات، تحركت الإدارة الأمريكية سريعاً لتقليل أثر الأزمة على حركة الطاقة العالمية. ففي خطوة لافتة، أعلنت واشنطن عن برنامج لإعادة التأمين بقيمة 20 مليار دولار لتغطية ناقلات النفط والسفن العابرة لمضيق هرمز.
ويهدف هذا البرنامج إلى طمأنة شركات الشحن والتجارة الدولية وضمان استمرار تدفق النفط والغاز والمنتجات البترولية إلى الأسواق العالمية، في ظل المخاوف من توقف الملاحة في الخليج العربي. ويعكس هذا القرار إدراكاً واضحاً من صناع القرار بأن استقرار أسواق التأمين يعد عنصراً أساسياً لاستقرار التجارة والطاقة في العالم.
الحرب السيبرانية… الجبهة الجديدة
لكن أخطر ما كشفته هذه الحرب هو أن ساحات المواجهة لم تعد تقتصر على البحر والجو والبر، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني. فالهجمات السيبرانية أصبحت اليوم أحد أخطر أسلحة الصراعات الحديثة، قادرة على شل شركات وبنى تحتية حيوية دون إطلاق رصاصة واحدة.
وقد شهد مارس 2026 تصعيداً لافتاً في هذا المجال، عندما تعرضت شركة التكنولوجيا الطبية الأمريكية Stryker لهجوم إلكتروني واسع أدى إلى تعطّل أنظمتها الرقمية. وتشير التقارير إلى أن الهجوم نفذته مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران، مستخدمة أدوات مرتبطة بمنصات مايكروسوفت لتعطيل الأجهزة ومسح البيانات.
هذا النوع من الهجمات يطرح تحديات جديدة أمام شركات التأمين، إذ لا تزال العديد من وثائق التأمين السيبراني تستثني الهجمات المدعومة من دول، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة صياغة منتجات التأمين الإلكتروني خلال السنوات المقبلة.
التأمين الإلكتروني… السوق الأسرع نمواً
مع تزايد المخاطر الرقمية، يتوقع الخبراء أن يشهد التأمين السيبراني طفرة كبيرة في الطلب خلال المرحلة المقبلة، خاصة من جانب القطاعات الحيوية مثل الطاقة والموانئ والمطارات والمؤسسات المالية.
كما بدأت الشركات متعددة الجنسيات في مراجعة تغطياتها التأمينية للتأكد من شمولها سيناريوهات الهجمات المرتبطة بالحروب الرقمية. وحتى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تعتقد سابقاً أنها خارج دائرة الاستهداف بدأت تدرك أن أي نظام غير محصن قد يصبح هدفاً سهلاً.
ومن المتوقع أن تدفع هذه التطورات شركات التأمين إلى تطوير منتجات جديدة تغطي الهجمات السيبرانية المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية، وهو مجال ظل لسنوات طويلة منطقة رمادية في عقود التأمين.
كيف تتكيف صناعة التأمين مع عالم أكثر اضطراباً؟
رغم تعقيد المشهد، فإن صناعة التأمين ليست غريبة على الأزمات الكبرى. فقد واجهت هذه الصناعة صدمات هائلة في العقود الماضية، بدءاً من هجمات 11 سبتمبر مروراً بالكوارث الطبيعية الكبرى وصولاً إلى الأزمات المالية العالمية.
وقد أثبتت شركات التأمين وإعادة التأمين قدرتها على التكيف من خلال تعزيز قوة رؤوس أموالها، وتطوير نماذج تسعير أكثر مرونة، واستخدام أدوات تحليل متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
وفي عالم يتزايد فيه عدم اليقين، ستصبح القدرة على تحليل الأخطار الجيوسياسية ودمجها في نماذج الاكتتاب والاستثمار أحد أهم عوامل النجاح في صناعة التأمين خلال السنوات المقبلة.

في عالم تتغير فيه الأخطار بسرعة غير مسبوقة، لم تعد صناعة التأمين مجرد قطاع مالي، بل أصبحت خط الدفاع الاقتصادي الأول في مواجهة صدمات الحروب والأزمات. وكلما ارتفعت حدة الصراعات الجيوسياسية، ازدادت أهمية هذه الصناعة في حماية الاقتصاد العالمي وإعادة توزيع الأخطار بين الأسواق.

مساحة إعلانية