مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

تعزيز الوحدة بسيادة القانون.. وبناء التعايش من خلال التنمية

2026-03-13 06:56 PM  - 
تعزيز الوحدة بسيادة القانون.. وبناء التعايش من خلال التنمية
ليانغ سوو لي إعلامية صينية
منبر

بقلم ليانغ سوو لي إعلامية صينية

 في عالم اليوم، تحوّلت الاختلافات العرقية والدينية في بعض المناطق إلى أحد العوامل الرئيسية التي تغذي الصراعات الاجتماعية. وفي ظل هذا التنوع، يكون تحقيق الاستقرار والتنمية تحدياً مشتركاً تواجهه منظومة الحوكمة العالمية.

وفي هذا السياق، تمكنت الصين، بوصفها دولة موحدة متعددة القوميات تضم 56 قومية، من بلورة مسار عملي يتناسب مع خصوصيتها الوطنية لتعزيز الوحدة الوطنية بين القوميات المختلفة وكسب التقدم المشترك.

وخلال انعقاد «الدورتين» اللتين تعرفان بالدورتين السنويتين لكل من أعلى هيئة تشريعية وأعلى هيئة استشارية سياسية في الصين لعام 2026، أُعلن مشروع قانون تعزيز التقدم في الوحدة الوطنية بين القوميات المختلفة.

فهذا القانون الشامل يقدّم، من خلال مقاربة قانونية منهجية، إجابة عصرية عن سؤال طالما واجه الدول متعددة القوميات: كيف يمكن تحقيق الاستقرار الدائم والتنمية المشتركة في آن واحد. ويمثل هذا القانون خطوة مفصلية في مسار إدارة الشؤون القومية في الصين، إذ ينقلها من مرحلة التوجيه السياسي إلى مرحلة الضمان القانوني المؤسسي. فقد جاء مشروع القانون في صيغة «مقدمة وسبعة فصول» تضم 64 مادة، مستنداً إلى الدستور باعتباره المرجعية الأساسية.

كما يرفع المبادئ الجوهرية – وفي مقدمتها صون وحدة الدولة، وتعزيز الوحدة الوطنية بين القوميات المختلفة، وضمان المساواة في الحقوق بين جميع القوميات – إلى مستوى قواعد قانونية ملزمة، مع تحديد مسؤوليات الحكومات على مختلف المستويات، بما يضع إدارة الشؤون القومية في إطار متكامل من سيادة القانون. وبهذا، يتعزز الأساس القانوني الذي يقوم عليه الاستقرار والتعايش داخل الدولة متعددة القوميات.

غير أن الوحدة الوطنية لا تقوم على الأطر المؤسسية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى دعامة تنموية راسخة. فالتنمية المشتركة والازدهار المتكافئ بين مختلف القوميات يشكلان القاعدة المادية الأكثر صلابة لتعزيز التلاحم الوطني. ولهذا خصص مشروع القانون فصلاً كاملاً لتعزيز التنمية المشتركة والازدهار المتكافئ بين مختلف القوميات، مع التركيز على تطوير البنية التحتية، وتحقيق تكافؤ الفرص في الخدمات العامة، وتسريع تنمية المناطق الحدودية، بحيث تضمن الآليات القانونية أن تعود ثمار التنمية بالنفع على جميع أبناء القوميات. ومنذ دخول الصين مرحلة العصر الجديد، واصلت الدولة دفع مبادرات تنمية المناطق الحدودية وتحسين معيشة سكانها، فيما جرى توجيه مشاريع كبرى بصورة متزايدة نحو مناطق القوميات.

ففي منطقتي شيتسانغ وشينجيانغ، على سبيل المثال، شهدت شبكات الطرق السريعة توسعاً ملحوظاً، وتسارعت وتيرة نشر مشروعات الطاقة النظيفة، كما تحسن مستوى الخدمات العامة في المدن والأرياف على حد سواء.

وقد انعكست هذه التحولات مباشرة على حياة السكان، حيث تعزز شعورهم بالاستفادة من ثمار التنمية، ما أوجد حلقة إيجابية يتعزز فيها التلاحم عبر التنمية، وتترسخ التنمية بفضل التلاحم. وفي مسار ترسيخ الوعي بمجتمع الأمة الصينية المشترك، حرصت الصين دائماً على تحقيق توازن جدلي بين الوحدة والتنوع.

ويؤكد مشروع القانون ضرورة «بناء موطن روحي مشترك للأمة الصينية»، مسترشداً بالقيم الجوهرية الاشتراكية، بما يعزز لدى جميع القوميات الإحساس بالهوية حيال الوطن الأم العظيم، والأمة الصينية، والثقافة الصينية، والحزب الشيوعي الصيني، والاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

وفي الوقت ذاته، يشدد المشروع على احترام الاختلافات واحتضانها في سياق تعزيز الوحدة الوطنية بين القوميات المختلفة، بما يتيح لها تعميق الفهم المتبادل وتقوية الروابط الوجدانية وبناء توافق أوسع عبر التبادل والتفاعل والتلاقي. فمفهوم مجتمع الأمة الصينية المشترك لا يعني إلغاء التباينات، بل يقوم على تعزيز الهوية المشتركة مع الحفاظ على التنوع الثقافي، بحيث تتعانق القوميات المختلفة – كما تقول العبارة الصينية الشهيرة – مثل حبات الرمان المتراصّة، متحدة في تنوعها ومتقاربة عبر التواصل.

وإذا ما قورنت هذه المقاربة بما شهدته بعض الدول الغربية من تعثر نموذج «بوتقة الانصهار»، بل وظهور مظاهر انقسام اجتماعي حاد، يتضح أن الصين اختارت مساراً مختلفاً يقوم على أسس مغايرة.

فهذا المسار ينطلق من مبدأ المساواة بين القوميات، دون أن يسعى إلى فرض الذوبان الثقافي، ويتخذ من التلاحم والتقدم هدفاً بدلاً من اللجوء إلى أدوات الإقصاء أو القسر، ويجعل الازدهار المشترك غايته النهائية، في إطار يضمنه القانون ويقوم على التنمية المشتركة وتقاسم ثمارها. وبالنسبة للعديد من الدول النامية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الهوية الوطنية والتعدد العرقي، فإن هذه التجربة تقدم مرجعاً مهماً يمكن الاستفادة منه. إن طرح مشروع القانون لا يمثل مجرد مبادرة تشريعية جديدة فحسب، بل هو أيضاً خلاصة خبرة تاريخية راكمتها الصين بصفتها دولة موحدة متعددة القوميات، وخطوة مهمة في مسار تحديث منظومة الحوكمة الوطنية.

فهو يعزز الوحدة عبر سيادة القانون، ويرسخ الانسجام عبر التنمية، ويجمع الطاقات في إطار مفهوم المجتمع المشترك. وبالنسبة للصين، يشكل هذا القانون دعامة مهمة لدفع مسيرة التحديث الصيني النمط، إذ سيسهم في تعبئة الطاقات الهائلة لجميع القوميات للمشاركة في مسار التنمية الوطنية.

أما بالنسبة للعالم، فهو يبعث برسالة واضحة إلى الدول التي لا تزال تبحث عن سبل الخروج من دوامات الصراعات العرقية: إن الاستقرار والتنمية ليسا هدفين متناقضين بالضرورة، وإنما يتحققان حين يُعثر على الطريق القائم على احترام التنوع، وتعزيز الهوية المشتركة، وتقاسم ثمار الازدهار.

مساحة إعلانية