مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

سمير لوبه : قراءة نقدية في قصتي "حاوي" و"عروس" للأديب منير عُتيبة

2024-11-08 08:24 PM  - 
سمير لوبه : قراءة نقدية في قصتي "حاوي" و"عروس" للأديب منير عُتيبة
سمير لوبا -قاص واديب مصري
منبر

بداية أود أن أتكلم عن الإهداء والمفتتح في المجموعة القصصية حاوي عروس  ، في قراءة إهداء ومفتتح المجموعة القصصية حاوي عروس للأديب منير عُتيبة، نجد أنفسنا أمام نص أدبي ينضح بالرمزية والاستعارات، حيث يدمج الكاتب بين الحدث التاريخي والخيال الأسطوري ليقدم صورة شاعرية معقدة عن أصل الإنسان والمكان.

الإهداء:

الإهداء الذي اختاره منير عُتيبة مشحون بالإيحاءات العميقة. في البداية، يقدم الإهداء صورة "خورشيد" التي يعرفها الجميع، ثم يضيف إليها "خورشيد" التي لا يعرفها سواه، وهو إهداء متعدد الأبعاد يمكن قراءته في سياقات عدة. "خورشيد" هنا قد تمثل رمزاً لفكرة الاختلاف والتعددية، ولتلك الذاكرة الشخصية التي يحتفظ بها الكاتب عن شخصية ما أو فكرة ما تظل غير مفهومة بالكامل للآخرين. من خلال هذا التوزيع بين "المعروفة" و"الغير معروفة"، يسعى الكاتب لفتح المجال للتأويلات المختلفة، ما يجعل من الإهداء نفسه مدخلاً مفتوحاً لمجموعة من الأسئلة حول الهوية الشخصية والجماعية، وما يميز النصوص الأدبية التي تعكس هذه الثنائية.

المفتتح:

أما بالنسبة للمفتتح، فهو يحمل صورة أسطورية مبتكرة لميلاد الوجود البشري، بداية من لحظة خروج آدم وحواء من الجنة، وتفاعلهم مع المحيط الجديد بطرق غريبة ومعقدة. يعتمد الكاتب على عناصر طبيعية أساسية (الغائط، الشجرة، الحية، الشيطان) ليخلق أسطورة جديدة عن الجذور الأولى للإنسانية. هذا المشهد، وإن كان يُظهر أفعالاً "قذرة" في البداية، يعكس كيف يتعامل البشر مع الألم والدهشة والانفصال عن النقاء الأول (الجنة). هنا، يتشابك الفعلي بالرمزي ليصور لحظة التحول التي تصيب الإنسان، وما تتركه من آثار، ربما تكون "القذارة" المبدئية التي سرعان ما تصبح جزءاً من المألوف والمعتاد.
النص يدمج بين "الدهشة والنفور"، حيث يشير إلى عملية تطهير أو تعبير عن الحيرة تجاه شيء جديد وغير مألوف. ومن ثم، يأتي التحول إلى "القسوة" ممثلة في العلاقة بين الشيطان والحية، التي تخلق عاصفة من التوتر ثم تتخذ شكل الرقص العنيف، وهو تصوير شاعري للعلاقة بين قوى الخير والشر في البدء.
الأسلوب السردي، الذي يمزج بين الأسطورة والرمزية، يعكس رغبة الكاتب في تجاوز السرد الواقعي إلى عوالم أكثر تجريدية وفلسفية. هذه الطريقة في تقديم الافتتاحية تدعو القارئ للتأمل في أصل الوجود البشري وما يترتب على الخروج من "الجنة" في أبعاده النفسية والفكرية.
بالمجمل، يتمتع الإهداء والمفتتح في حاوي عروس بعمق رمزي يستدعي التأمل والتفكير في مفاهيم أساسية مثل الهوية، والألم، والتحول، وأثر المكان على الإنسان. أسلوب منير عُتيبة هنا ينقلنا من فجاجة الواقع إلى استعارات معقدة تتخللها الأسطورة والتاريخ، مما يجعل النص ثريًا بالأبعاد الدلالية التي تتطلب قراءة متعددة الطبقات. وبالانتقال إلى القصتين (  حاوي  -  عروس) أستطيع أن أقول أن المجموعة "حاوي عروس" للأديب منير عُتيبة تعد تجربة سردية فريدة، تمزج بين الواقعي والرمزي، وتغلف الكثير من تفاصيلها بطابع أسطوري أو خرافي، لتشكل مزيجًا معقدًا من الغموض والتشويق. في هاتين القصتين (حاوي) و(عروس)، يبرز الأديب قدرة استثنائية على استخدام السرد كأداة للكشف عن طبائع الإنسان ورغباته المكبوتة، مثلما يكشف عن طرق مجابهته للقوى الخفية التي تحكمه. وقد اختار عُتيبة العنوان "حاوي عروس" ليجسد التناقض بين العوالم التي يعرضها، من خلال شخصيات رمزية تحمل معاني كثيرة تتجاوز النصوص البسيطة لتصل إلى التخييل البصري والنفسي.

قصة "حاوي" بين الخوف والرمزية 

تبدأ قصة "حاوي" بظهور شخصية غريبة وعجيبة، "الحاوي"، الذي يدخل قرية صغيرة بطريقة غير تقليدية، لا يعرف أحد من أين يأتي ولا إلى أين يذهب. هذا الظهور المفاجئ والمبهم للحاوي يخلق حالة من الاستفهام والغموض حول شخصيته وأهدافه. لكن من خلال سرد الأحداث، يبدأ القارئ في إدراك أن هذه الشخصية، على الرغم من ظهورها الغريب، فإنها تمثل قوة خارقة خارجة عن سيطرة أهل القرية.

الرمزية في "حاوي": 

منذ بداية القصة، يلعب الحاوي دور الساحر أو الشخص الذي يتحكم في عناصر الواقع من خلال "السحر" أو "الخداع" الذي يمارسه على سكان القرية. يصفه الكاتب بأنه يتمتع بشخصية جاذبة، لا يستطيع أهل القرية مقاومته، إذ يظهر فجأة فوق كوم التراب، حيث يتجمع الناس من تلقاء أنفسهم حوله. يمكن رؤية هذا المشهد كرمزية لقوة لا مرئية تجذب الناس إليها رغم أنها غير مفسرة. الشكل الذي يظهر به الحاوي (الجسد الضخم والذراعين المنتفختين، والشعر المتناثر على صلعته) يجعل منه صورة شبه أسطورية لشخصية قد تكون خارقة أو كائنًا غريبًا بين البشر. مشكلة الحاوي تكمن في "لعبته" مع سكان القرية، فهو لا يأتي ليمنحهم شيئًا إيجابيًا، بل على العكس، يزرع فيهم القبول بالمأساة والغباء الذي يكتنف حياة الإنسان. ابتداء من رميه لباقة الورد التي تتحول إلى براز عصافير، مرورًا بإلقائه لصبار يتناثر فوق رؤوسهم ليتحول إلى طراطير، وصولًا إلى آخر ظهور له حيث يزرع فيهم "كلابشات" صدئة، نجد أن الحاوي يستخدم رموزًا يمكن أن تكون صورًا للقوى المجهولة التي تهيمن على حياة البشر. تلك القوى التي لا يمكن التخلص منها بسهولة، بل تصبح جزءًا من حياتهم اليومية حتى وإن كانت مؤلمة أو مزعجة.

الأثر النفسي والعاطفي على أهل القرية: 

أثناء سرد القصة، لا يمكننا إلا أن نتأمل في الحالة النفسية التي يمر بها أهل القرية، الذين يعيشون في حلقة مغلقة من الخوف والتجاهل تجاه ما يحدث حولهم. في البداية، هم في حالة من الذعر والاشمئزاز من ما يجري، سواء كان براز العصافير أو الطراطير أو الكلابشات. لكن مع مرور الوقت، يعتادون على هذه الظواهر الغريبة حتى أنهم لا يشعرون بها، بل يتجاهلون وجودها تمامًا. هذا التحول في السلوك يشير إلى قدرة الإنسان على التأقلم مع القهر، والتكيف مع الألم حتى يصبح جزءًا من واقعه الذي لا يمكن فكه.

هنا، نرى أن عُتيبة يعكس المأساة النفسية للإنسان في مواجهة قوى غير مرئية، والكيفية التي قد يتعرض بها البشر للتأثير من قوى خارجة عن إرادتهم. الفشل المستمر في محاولة التخلص من "الخفة" التي يزرعها الحاوي يعكس ما يمكن أن يكون في حياة الإنسان من التبعية، والقبول بالعبثية.

قصة "عروس": صورة مرعبة للجمال والزيف: 

قصة "عروس" تقدم للعالم شخصية أخرى، هي العروس التي تعيش حالة من التوتر بين الجمال والطهارة، وبين التوقعات الاجتماعية والمصير الغامض الذي ينتظرها. تبدأ القصة في لحظة جميلة، حيث تخرج العروس من منزلها في الفجر الباكر، وتتجول حول القرية وقد أُحيطت بهالة من النشوة والبهجة. وصف جسد العروس ومشاعرها الداخلية يأتي مليئًا بالتفاصيل الحسية: من اللمسات الأولى على قدميها التي تغمرها مياه الترعة، إلى اللحظة التي تخلع فيها ملابسها وتغمرها طقوس الماء الباردة. كل هذا يشير إلى بداية عملية تحول جسدي وروحي.

النشوة والحسد.. مفارقة الجمال: 

ومع ذلك، تظهر القصة تحولًا مفاجئًا في مسار الأحداث. العروس التي كانت محط أنظار الجميع، تلك التي غمرها الجمال والسعادة، تقع ضحية للعين والحسد، وهو موضوع قديم في الأدب الشعبي. عندما تسقط فجأة على الأرض في يوم زفافها، يشير السرد إلى أن ما كان يبدو كحلم جميل أصبح مأسويًا وفجائيًا. حتى أن الجدة، الشخصية التي تمثل الحكمة العتيقة، تقرر أن "العروس ما زالت حية"، على الرغم من أن الجميع يشهد أنها ميتة. تعكس هذه المفارقة من "الحياة والموت" التوتر بين ما يظهره الواقع وما يكتنفه من رمزية روحية غامضة.

الرمزية العميقة في "عروس": 

يتدفق السرد ليكشف عوالم أسطورية وفولكلورية، حيث يعكف الجميع في القرية على محاولة استعادة العروس من "الموت" أو السكون الغريب الذي أصابها. الجدة، التي تشكل الأداة الروحية والرمزية في القصة، تقوم بطقوس غريبة تستحضر الأسطورة والفولكلور المصري، حيث يحاول الجميع البحث عن المياه الخاصة، والملح البلوري، وأوراق الصفصاف لعلاج هذا "الحسد". هذا يظهر مدى تأثير القوى الخفية في حياتهم، ومدى الاعتماد على المعتقدات الشعبية في مواجهة الموت أو السكون الروحي. في هذا السياق، تمثل العروس، كما تمثل "حاوي"، ذلك الجانب الغامض في حياة البشر الذي لا يمكن التنبؤ به. على الرغم من أن الجمال هو ما يجذب الجميع إليها، فإنها في النهاية لا تتعدى كونها رمزًا لحالة مؤقتة يمكن أن تنقلب فجأة إلى شقاء أو موت.

الربط بين القصتين: 

على الرغم من اختلاف السياقات بين "حاوي" و"عروس"، فإن الرابط الرمزي بينهما قوي جدًا. كلاً من الشخصيتين تمثلان قوة خارجة عن إرادة الإنسان، سواء كانت تلك القوة سحرية في "حاوي"، أو قوة العين والحسد في "عروس". كلا الشخصيتين تثيران في النهاية حالة من العجز أمام ما يواجهونه، مما يبرز المأساة الإنسانية في سعيها وراء القيم المثالية.
إن قصة "حاوي" تقدم لنا الشخص الذي يتحكم في مصير الآخرين، بينما "عروس" تكشف لنا عن مدى هشاشة هذه القيم في مواجهة القوى الاجتماعية والثقافية الخارجة عن سيطرة الفرد. في النهاية، ينجح عُتيبة في تقديم عالم معقد مليء بالرمزية والمفارقات التي تثير التساؤلات حول قدرة الإنسان على التعامل مع القوى التي تؤثر في مصيره.
مجمل القول أن قصتي "حاوي" و"عروس" تتميزان بعناصر فنية تجمع بين السحر والواقع، وتطرح تساؤلات فلسفية عن الإنسان والمجتمع، وكذلك عن كيفية تعاملنا مع القوى الخفية التي تحكم حياتنا. الرمزية الغنية والتفاصيل الدقيقة في السرد تجعل من هذه القصص أعمالًا أدبية ذات طابع عصري، حيث يمكن للقارئ أن يجد فيها أصداء من الأساطير الشعبية، إضافة إلى تساؤلات وجودية ونفسية تدفعه إلى التفكير في العالم من حوله.

أقرأ أضا:

سمير لوبه : قراءة نقدية في قصة "قبلة العفريت" للأديب منير عتيبة

سمير لوبه يكتب : قراءة نقدية في "أعشاش" للقاص كرم الصباغ

سمير لوبه يكتب: الفقد والحنين في رواية "صياد اليمام" لإبراهيم عبد المجيد

مساحة إعلانية