مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

صورة الآخر،مقاربة صورولوجية في رواية أحمد البدري عين الجبل..بقلم شعبان المنفلوطى

2026-09-14 10:06 PM  - 
صورة الآخر،مقاربة صورولوجية في رواية أحمد البدري عين الجبل..بقلم شعبان المنفلوطى
الكاتب الناقد شعبان المنفلوطي
إعلان بنك saib

"الصورولوجيا" منهج نقدي يهتم بدراسة صورة الذات والآخر في النصوص السردية.

 لا تنصب "الصورولوجيا" علي رصد الحقائق التاريخية المجردة، بل تبحث حول كشف مناطق التلاقي والنفور بين الجماعات داخل المجتمع الواحد وفي منطقة زمنية وجغرافية واحدة واسقاط هذا علي زمن الكتابة، من خلال التخيَّل الأدبي.

نلاحظ هنا أنَّ النص الروائي يُطلق مجموعة من الاحكام المسبقة والعبارات الجاهزة والصفات الثابتة لجماعة محددة" في مقارنة بين الذات والآخر (فرد أو جماعة ) من هذه المقاربات *جماعة الغرباء الذين يتربَّصون وينتظرون اللحظة المناسبة لمهاجمة الواحة ويحرص الكاتب علي عدم تحديد شكل أو صفات هؤلاء الغرباء ولا أسباب تواجدهم خارج أسوار الواحة لتبقي شخوص الرواية في توتر وقلقٍ دائم طول الخط الدرامي للرواية، هذا الآخر أيضاً يتمثل في جماعة مطاريد الجبل، وساكني المدينة البعيدة وعاداتهم وتقاليدهم التي تخالف تقاليد الواحة والآخر المتمثل في جماعة العمدة و وما يقوم به من ممارسات قبلية تتعلق بحقوق الميراث والجشع وحب المال، الآخر الفرد المتمثل في بهلول وعبد العال وحسن، شيخ الجامع والقابلة وكودية الزار.. جماعة السياح الذين يسكنون جوار بركة الشيخ بمعتقداتهم الهَّدامة والماجنة التي تستبيح كل الثوابت وتسخَّير كل الأدوات المتاحة لتسهيل ممارسات ماجنة لا تتفق وتقاليد الواحة. هذه الصور هي مبرر أيديولوجي موجه من الكاتب لخلق صراع دامي لتبرير طرد هذه الجماعة بعيداً والتخلص منهم، بطردهم من حول بركة الشيخ، من خلال شيطنة الآخر وتبرير الفعل العنيف اتجاه ايديولوجيات هذه الجماعات  الغريبة عن أهل الواحة.

هذه الجماعة سواء كانت عرقية، دينية أو قومية، يتم تناولها في سياق تاريخي.-علي سبيل المثال- وسم  الاخر المتمثّل في صورة الغريب القادم من مكان مجهول، بالشراسة والغرابة وامتلاكه آلات التدمير للبنية الداخلية والنفسية والمعمارية للواحة ومعتقداتها وعاداتها، لذلك صنعت الذات جدرانًا عدة بينها وبين الآخر القادم من خلف المدي، وهنا نلاحظ عدم تحديد مكان قدوم الآخر في رواية عين الجبل، أو اتجاهاته، بل ترك الروائي مكان هجومه مفتوحاً، ليُبقي الضغط النفسي قائماً علي الشخصيات، تبقي في حالة دائمة من القلق والانتظار، والتوتر، هذه الظاهرة تجعل الشخصيات في حالة حركة دائمة باحثة عن الخلاص وبالتالي يتصاعد الخط الدرامي داخل البنية السردية للرواية.

نلاحظ أنَّ السرد يخلق معالم واقعية جديدة، متخيلة تساهم في بناء سردية تاريخية موازية. ويؤكد هذه الحالة وهذا الواقع ببناء طبقات دفاعية متعددة، منها الأسوار التي صنعتها الذات لتحيط بالواحة، للحفاظ علي هويتها من الاختراق أو الضعف، ليس هذا وحسب بل  وضعها الكاتب علي أطراف الصحراء وسط الجبال، بمنطقة نائية، يحميها سور من الرمال لا نهائي، وهنا أطلق لفظ الصحراء علي شموله بأنها ليس لها بداية أو نهاية. ومناخها الصحراوي القاسي، الذي ساهم بتعريض حياة الآخر للفناء وفرض مزيد من العزلة بين الذات والآخر، أسوار أخري من خلال هندسة البناء والطرز المعمارية التي تميز الواحة، سواء القلاع أو الحصون التي يحرسها الشباب، كما يدعم هذه الرؤية بنشر مجموعة من الاطفال الذين يلعبون أمام البوابات والحصون لمراقبة الطريق والتعرف علي الغرباء وتنبيه من بداخل الحصون وتزويدهم بمعلومات عنهم؛ ليتمكنوا من التعرف علي هويتهم والتأكد من عدم نيتهم تعريض الواحة للخطر حتي يتثنى لهم العبور. والمدهش أن جميع سكان الواحة يقتنعون بهذه الحالة المشوبة بالتوتر والقلق والانتظار للآخر - المتخيل- الذي يحمل السوء للجميع- كما تصوره الذات - ونلاحظ أن الكاتب جنَّد كل من بالواحة للدفاع عنها ورصد هذا الاخر والايقاع به في أول مواجهة. هذه الحالة جعلت التوتر  والقلق والارهاق يوسم كل شخصيات الرواية. - هذا عن الأسوار الخارجية- أمَّا الأسوار الداخلية فيزيد الكاتب من هذه العزلة بأن جعل أيضا طرق وممرات البيوت ضيقة وملتوية حتي أنَّها لا تسمح لشخصين بالسير جنباً إلي جنب ولا لراكب دابة بالمرور؛ ليمكَّن لقوة الحراسة من اعتراض أي خطر يهدد الواحة بل ويزيد من هذه الاسوار أن جعل بوابات الحصون والدروب من شجر الدوم ويصفه بالقوة أيضا وهنا نلاحظ تفاعل الراوي مع مفردات الطبيعة والبيئة المحيطة ومشاركتها في الدفاع عن الواحة بمفردات بيئتها لتتمكن من الصمود في وجه الاخر لفترات طويلة، صانعاً سردا تاريخيا متخيلا. 

صراع آخر يخلقه الكاتب داخل الرواية من خلال صراع مع  جماعات خارجة علي القانون تتصف برغبتهم في السرقة والقتل والخيانة والغدر، يعيشون كالفئران في جحور الجبل، كاشفاً عن ملامح إنسانية في هذه القوة والغطرسة – السبب المضمر هنا لوصفهم بالإنسانية أن جميعهم من أبناء الواحة الذين تعرضوا للظلم والقهر علي يد جماعة العمدة.*

 تقوم الذات بشيطنة الآخر ليصبح منبوذاً من المجتمع، يستحق الاقصاء والابعاد وبالتالي ليس له الحق في الحياة داخل مباني الواحة والتي صُمّمت هندسيًا لمقاومته وهنا تصنع الذات صراعا أيديولوجياً وجوديًا بينها وبين الاخر لا يجاد تبرير منطقي للعزلة ولتمرير قيم وعادات وتقاليد ومعتقدات لكسر هذه البنية، للبحث عن عين جبل جديدة تصلح للحياة بعيدا عن الصراعات مع الحفاظ علي عزلتها بدون وجود تهديد الآخر.. 

ظهر الآخر المختلف أيديولوجيا أيضاً في جماعة حاكم القرية والذي جاء لينافس العمدة ويُلغي سلطته المطلقة داخل الواحة، ويشير إلي هذا الحاكم المدعوم من الحكومة في إشارة أن هذا الآخر هم من الغرباء القادمين من بلاد  بعيدة يقودهم الحاكم وبعض الضباط وينشئ الكاتب صراعاً وجوديا بين الذات التي تتصف بالوطنية والشرعية التي أكتسبها عبد الجبار وشباب القرية من أهل الواحة وتوليه الدفاع عنها، والغرباء الذين يحتمون بالآلات الكبيرة التي تقتحم الواحة وتهدم حصونها وتستبيح حُرماتها وتقتل نساءها وأطفالها وشبابها، دون تمييز، بل يسوق مبرر الشيطنة بسبب بسيط  هو القبض علي الوطنيين من أهل الواحة وبالتالي يكون الجائز شرعاً قتال هذا الغاصب والتخلص منه دون رحمة..

يسوق الكاتب مساراً جديداً، أقل حدة حيث يصوَّر الآخر المقبول اجتماعيًا من رواد المقهى والعامة من أهل المدينة البعيدة الذين يقَّدمون له العون في تغيَّر واضح يطرأ علي الشخصية الروائية ، وهو تغيَّر في الايديولوجية ليتقبل ما كان محرمًا في الواحة من تحرر للمرأة وغير ذلك ويصور التقاء عبد الجبار بزهرة بنت زهيرة القابلة والتي كانت من ضمن ضحايا البهلول ومجونه في المدن البعيدة.

التناص التاريخي

(  الوثائق) من الواضح أن الكاتب قد استعان بالإخباريين للحصول علي المعلومات المناسبة عن الواحة وساكنيها وأخبارها وعاداتها وتقاليدها وهذه هي الاشارة الوحيدة التي تخص هذه الواحة وبقي هو والاخباري مصدرا وحيدا عن مكان الواحة وناسها وصراعاتهم مع الطبيعة من جهة والدخلاء أو الغرباء من جهة أخري، كما أن هناك إشارة مضمرة داخل الرواية تشير أن الحاكم ضابطاً برتبة كبيرة ومعه العوام في اشارة إلي فترة الاحتلال الانجليزي لمصر.

حدد الكاتب اماكن بعينها كأماكن محركة للصراع لتعزيز بناء السرد التاريخي الموازي (منها تل بنت الرمال)، (عين الجبل)، (بركة الشيخ) في اشارة إلي بهلول وأسطورته التي بناها الكاتب من شخص بسيط ليتحول إلي أسطورة تضيف بعداً عميقاً لبنية السرد، هذه الاسطرة هي مفردات جيدة لبناء السرد التاريخي في رواية عين الجبل.

اللغة والخطاب

تحليل الخطاب اللغوي للألفاظ التي يستخدمها الكاتب في وصف الاحداث التاريخية نجدها مفردات دفاعية لا هجومية مثل حصن، سور، صحراء، جبال، غزو، طرق ملتوية وأبواب ضخمة من أشجار الدوم، بيت العدل، الجامع، دروب الواحة، الحراس، السقائف وهنا يكتسب الظرف التاريخي شرعنة مقاومة الآخر المهاجم والمستبيح للواحة وناسها.

يصنع الكاتب انتصارات تؤرخ  للظرف التاريخي و"شرعنة" الافعال التي تُرتكب ضد الآخر. ويؤسس الكاتب لصورة الذات بأن يصف أهل الواحة أنهم لم يكونوا يوما معتدين، بل مدافعين عن الواحة وأهلها. يتماس الكاتب مع مفردات الواحة المادية فيكشف لنا وجه الخوف الساكن بوجوه الناس  خلف الحصون والابراج وتوجسهم الدائم وحرصهم علي مراقبة الطريق، ليشكَّل بهذا الخوف أسواراً عازلة، تقاوم كل ما هو قادم من الغرباء، ويضع الحواجز والأسوار بين الشخصيات، بعضها البعض، ليحجب ما يفعله كبارات الواحة في الخفاء وبين سطوتهم في العلن .

صاغ الكاتب هذه الصور ببنية جمالية تتماهي مع انهيار حصون الذات في مواجهة الآخر ونلاحظ هذا عند وقوف عبد الجبار أمام زهرة(وفي نبراته المهتزة النغمات،  تلك الخطوة الواثقة منها لم تزده الا قلقا علي نفسه، وقد ادرك أن حصونه وجبروته تجرفها تلك الحسناء بلا رحمة كما تهاوت سابقا حصون الواحة وهنا نشير الي لغة حية مفعمة بالدلالات ص 126) تناول الكاتب السير الشعبية ببنيتها الاجتماعية عن أفعال اهل الواحة من الرجال والنساء وتعرية هذه الافعال بشكل جمالي لتعزيز بنية السرد. واضافة بعدا اجتماعيا للظرف التاريخي كاشفاً عن سلوكيات مرفوضة منها علي سبيل المثال، * نبش قبور القدماء، الخرافات والدجل القائم حول هذه الافعال.

وظيفة ايديولوجية

استخدام التاريخ  والجغرافيا لتبرير العزل الطوعي والقهري باختيار المكان النائي علي أطراف الصحراء. لتبرير الصراع الذي ينشأ بين الآخر الغريب وأهل الواحة، هذه المنطقة النائية لا يقصدها الا طالب، أو صاحب مصلحة، يضمر الشر لأهل واحة عين الجبل . لتعزيز الشعور بالانتماء للواحة عن طريق إدارة صراع العدل والحق في مواجهة الظلم والقهر،  يواجه العيب وأفعال الخفاء في مواجهة العلن، عبر ابراز شخصية تفوق الذات المتمثلة في عبد الجبار، يرسم  الكاتب صورتين لذات عبد الجبار الأولي الاعتلال النفس والضعف  الذكوري، صوره كشخصية مأزومة تتخفي وتبتعد وتتقوقع حول ذاتها، وبين قوة وسطوة في الجسم والمكانة، هذا الصور تجعل الذات مترددة دوماً غير قادرة علي الفعل وتغيير مجتمع الواحة - بالصورة الأولي- ؛ فيلجأ إلي الخلاص والتخلص من عجزه المضمر والهروب لينتقل إلي مكان آخر في الصراع بامتلاك مقومات شخصية الآخر لتصبح شخصية عبد الجبار الغريب المطارد الذي يشكل الجبل مع المطاريد، يجد نفسه بينهم ويمارس سلطته وسطوته عليهم ويفكر في الفرار لينتقل إلي مكان آخر، يصبح غريبا مطاردا ويتخلَّى عن حماية الواحة بالانتقال إلي بلاد بعيدة لا يعرفه فيها أحد .

نلاحظ التعمد في شيطنة الاخر خلال رحلة عبد الجبار، في محاولة تصحيحية يتجه الكاتب من خلال السرد التاريخي إلي انصاف الجماعة التي ينتمي إليها هي جماعة المطاريد، هذه الجماعة تعيش علي هامش الحياة لكنها تمتلك ملامح الرغبة في البقاء حتي لو كان باستخدام العنف بسبب تعرضهم للتهميش فـ مطاريد الجبل يتعرضون لخطر دائم كأهل الواحة من المتوقع أن تهاجمهم السلطة في أي وقت.

وظيفة نقدية

يتجه الكاتب بلغة جمالية سلسة تنساب في وداعة تسري في الروح، يتجه بهذه اللغة الصادمة في بعض الأحيان، الصارخة بمفرداتها؛ لكشف بنية المجتمع المنهار اجتماعياً والمتداعي كحصون الواحة، هذه اللغة أستخدمها الكاتب لتعرية الاساطير التاريخية التي بنيت عليها بنية  المجتمع في الواحة والتي تقوم دعائمها علي تيمة العزلة، بهذه اللغة ساهم الكاتب في كسر أبواب الغرف المغلقة والصناديق المظلمة لفضح الممارسات السرية ليزيل الأقنعة الهشة فيظهر المجتمع ببنيته المهترئة..

  يقدم الكاتب دعوة لكسر هذه المعتقدات والعادات البالية .فأهل الواحة يتوجسون من الغرباء ومن التعامل معهم وتأتي رواية عين الجبل لكسر سلطة العزلة من خلال السرد التاريخي للحياة الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية،  يكشف من خلالها المستور والمسكوت عنه داخل جدران الواحة من معتقد وعادات وتقاليد، لإعادة رسم طرق جديدة للتواصل وكسر الجمود المتغلغل في واحة عين الجبل.

أسقط الكاتب هذا السرد التاريخي النابع من حكايات وقصص من الواحة بمفردات وشخوص قريبة من الواقع لتتحول إلي سرد تاريخي  أصبح حقيقيا ومعاش بفعل شخوص الرواية واماكنهم وأفراحهم واتراحهم وقصص العشق الذين يتوقون إليها ويُسقطها بدوره علي العصر الحالي من خلال إنتقال عبد الجبار إلي البلاد البعيدة بعيداً عن الواحة وهنا يبدأ تغير قناعات عبد الجبار الأيدولوجية من تقبل لخروج المرأة دون حجاب سافرة، تضحك بصوت مرتفع وتعمل جنباً إلي جنب مع الرجل، تصافحه بحرارة وتصادقه مما يعزز بقبول المدنية الحديثة ولكن بشروط ..

 

مساحة إعلانية