مساحة إعلانية
إن الصراع بين العلم والإنسانية ، هو صراع بين العقل والروح ، والإنسان عقل وروح معاً . ووجود أي خلل في أي جانب من الجانبين يخل بالآخر . ومن أقوال الصوفية في هذا الشأن : أن البواعث التي تدعو إلى العالم السفلي ثلاثة : ( النفس ، والشيطان ، والطبيعة ) . وأن البواعث التي تدعو إلى العالم العلوي اثنين : ( الروح والعقل ) . فالروح تدعو إلى العلو ، والنفس تدعو إلى التسفل ، ولذلك تقتضى الحكمة وجود ثالث للعقل والروح يدعوهما إلى الكمال ، ليحصل التوازن بين دواعي الخير ودواعي الشر في الإنسان . وذلك الثالث هو الرسول ، ومن على نهجه من المشايخ والمقربين والربانيين .
وهنا في رواية ( لا مساس ) الصادرة عن دار ميتا بوك للطباعة والنشر والتوزيع ، نجد أن الكاتبة قد بذلت جهداً كبيراً في علاج هذه القضية ، لخلق حالة من التوازن بين العقل والروح ، وذلك من خلال رؤية فلسفية ، حيث جعلت المعالج لهذه القضية أو الطرف الثالث للعقل والروح متمثلاً في المريضة " نجلاء " لتقوم على علاج طبيبها " أدهم " في التخلص من أفكاره العلمية البحتة التي أخذته إلى الإلحاد . والذي شجعها على ذلك ، أنها رأت فيه إنساناً مستتراً وراء أفكاره ، وأنه يحاول معالجة الآخرين وإكسابهم الصفاة الإنسانية الروحية التي يفتقر إليها هو ، أو التي يحاربها بعلمه من خلال إخلاصه للعلم والعقل فقط .
افتتحت الكاتبة معظم فصول روايتها بمقولات فكرية وفلسفية ، لمفكرين وفلاسفة وشعراء مشهود لهم على مستوى العالم مثل : ( محمد الماغوط ، ايرفين سمراء ، جان بول سارتر ، مصطفى محمود ، محمد أبو الفضل بدران ... إلخ .
وهو عملاً شاقاً وليس هيناً ، أن تختزل فصلاً كاملاً في مقولة لا تتعدى بضع كلمات . وقد لا حظنا أن الكاتبة نفسها لا تقل
عن هؤلاء العظماء من المفكرين والفلاسفة ؛ فإذا نظرنا في الإهداء الذي خطته بيدها من وحي أفكارها والذي جاء في صدر الرواية حيث تقول فيه :
" إلى تلك الأرواح المتعبة التي أرهقتها أمواج الحياة وتقلباتها ؛ فاختلوا بأنفسهم ، وصنع كل منهم عالماً لا يخترقه أحد ، بعيداً عن صخب الدنيا وضجيها " .
فهذا الإهداء : يضعها في المقام الأول بجوار هؤلاء المفكرين والفلاسفة الذين اقتبست منهم مقولاتهم لتفتتح بها فصول روايتها . ومن ناحية أخرى ؛ فإنه يعد تلخيصاً لحالة بطلة روايتها " نجلاء " التي اختلت بنفسها وقصرت حياتها على ( الصلاة ـ قراءة القرآن ـ التأمل في ساعات الشروق والغروب ـ قراءة كتاب كل يوم ـ احتضان المذياع وهي نائمة وكأنه حظها من العالم ) . حتى أصبحت "نجلاء " بمثابة العبد الرباني ، وفي ذلك توظيف للحديث القدسي : فيما معناه " ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ؛ فإن أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، وإن سألني لأعطينه ، وإن استعاذني لأعيذنه " .
و " نجلاء " بطلة الرواية التي عانت من قهر أهلها لها ، بعد أن زج بها الخال وابنه إلى العلاج النفسي طمعاً في إرثها ، حيث لا أحد يسأل عنها ، تركت كل شيء واتجهت إلى الله . هذا الحجر في المصحة النفسية ، لم يأخذ شكلا سلبياً يجعلها تستسلم وتعيش حالة الجنون ، بل جعلها تأخذ شكلاً إيجابياً في اللجوء إلى الله : فأعانها ، وجعل منها طبيبة تعالج طبيبها المعالج الذي أحبها ! ؛ فضربت في الرواية مثلاً للحب الطاهر ، الذي يرقى بالحبيب ، ويخلصه من كل الشوائب ، حتى يرقى بإنسانيته . وقد كانت " نجلاء " مثالاً لذلك في علاقتها بطبيبها " أدهم " الذي أحبها ؛ فعالجته ، وخلقت منه الطبيب الإنسان ، ولا مساس ! ، ليؤكد ذلك على أن الكاتبة : اختارت عنوان روايتها بدقة متناهية . هذا العنوان المقتبس من القرآن الكريم في قول السامري ، ليكون الهدف هو الارتقاء بالروح ، واستغلال هذا الجسد الفاني في هذا الارتقاء من خلال ( الصلاة ، وقراءة القرآن ، والتأمل ، والقراءة والاطلاع ، والبعد عن كل المغريات ) . وهي في ذلك تميل إلى النزعة الصوفية التي تخلق من الإنسان عبداً ربانياً ، يقدم الخير للآخرين حتى بعد موته . مثل الولي الذي دل " أدهم ومعاذ " على مكان الكنز ، والذي ظهر لهما في مسجد سيدي عبدالرحيم القنائي عندما ذهبا لأداء صلاة الفجر ، والذي انتبها إليه بعد الصلاة عند قوله : ( اركب الحمارة واقضي العبارة ) ! . وبعدها طلب منهما أن يتبعاه ويسرعا قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود . حتى وصلا عند الشجرة الموجودة أمام قصر " نجلاء " ؛ فاستخرجا ميراثها الذهبي ، ومن مكان آخر بالقرب منه استخرجا مفتاح الكنز العباسي . وبعدها اختفى هذا الولي ، ليكون ذهب " نجلاء " من نصيب " أدهم " حتى ينفذ وصيتها ويبني به داراً للمسنين والأيتام لأن كل منهما في حاجة إلى الآخر ( اليتيم في حاجة إلى عطف ، والمسن في حاجة إلى أمل الطفولة . أما مفتاح الكنز العباسي فكان من نصيب " معاذ " . لتكون النهاية على لسان " أدهم " : " عدت إلى القاهرة بعد أن قضيت معه بعض الوقت على مقهى شقاوة ، الذي كان مدرسة الإعدادية بنات بجوار مديرية الأمن . عدت تاركاً " معاذاً " يحمل مفتاحاً تتربع تحت قدميه وأقدام الجالسين في المقهى ، ولا يعلمون ما تخبئه الأرض تحت أقدامهم من كنوز .
القضايا التي تناقشها الرواية :
الرواية تطرح كثير من القضايا : منها ما هو اجتماعي مثل : ( الطمع والجشع ، ذكورية المجتمع ، الغيرة ) . ومنها ما هو مزيج بين الديني والفلسفي مثل : علاج قضية العقل والروح أو الصراع بين العلم والإنسانية . ومنها ما هو تاريخي متمثلاً في الحقبة الزمنية التي استأصلتها من الخلافة العباسية . أما البعد الثقافي فقد كان له الحظ الأوفر في الرواية مثل : الإسقاط النجمي ( عين حورس ) أو العين الثالثة للإنسان ، وهي حالة من حالات السفر بالروح إلى أي مكان ، هذا بالإضافة إلى المقولات الافتتاحية لكل فصل من فصول الرواية والتي تعبر عن مضمون الفصل بكلمات موجزة .
ـ هذه القضايا التي طرحتها الرواية في أبعاد مختلفة : ( نفسي واجتماعي وتاريخي وأسطوري وديني وفلسفي ... إلخ ) ، لم تكن منفصلة ، بل جاءت في ربط محكم مع الواقع المعاش بماضيه وحاضره ، والربط بينها وبين القضية الأم وهي قضية العقل الروح ، سعياً إلى وجود إنسان حقيقي متصالح مع نفسه ، متصالح مع الله ، ومتصالح مع الآخرين . إنسان ينفع ولا يضر ، يعطي ولا يبخل ، إنسان لا يعرف الطمع والجشع .
ـ الكلام في هذه القضايا يحتاج إلى صفحات كثيرة . وبإمكان القارئ الوصول إليه عند قراءة الرواية . لكن هناك قضايا أخرى بعيدة عن المباشرة ، وتحتاج في الوصول إليها إلى جهد وتفكير وربط بين الأحداث والشخصيات ، وهو ما سوف نركز عليه في الصفحات القادمة .
ـ وقبل البدء في ذلك ، نستعين بالمقولة الافتتاحية للفصل الثامن عشر : " اضبط بوصلة قلبك جهة السماء ، وسوف تتبعك كل الجهات " .
وبالنظر في الرواية من خلال هذه المقولة :
ـ نجد أن الله سبحانه وتعالى قد سخر كل شيء من أجل " نجلاء " ؛ فسفر " أدهم " من القاهرة إلى قنا لم يكن مخططاً له ، والدليل : أنه ترك سيارته ، وحجز له تذكرة في القطار ليرى أشياءً تدهشه ، مثل : رقم العربة ورقم المقعد ، وكيف أن هذين الرقمين كانا من أحب الأرقام للإنسانة التي كان يحبها . وأيضاً الشاب الذي يجلس بجواره في المقعد ، والذي كان يتحدث في التليفون مع واحدة تحمل اسمها " نجلاء " وهو نفس الاسم لمحبوبته ! . كل ذلك كان بمثابة المفتاح أو الخيط الذي مهد له الطريق إلي التعلق ب " نجلاء " المريضة الموجودة في مستشفى الأمراض النفسية . والذي كان حضوره إليها ( المستشفى ) بمثابة المفتاح أيضاً لهذا الحدث الكبير الذي بنيت عليه الرواية ، ولولا حضوره ومتابعة حالتها بدلاً من زميله الدكتور " يوسف " لضاع هذا الحدث في ظل الانفلات وعدم الضمير من الأطباء الذين كانوا يكتفون بمراقبة المرضى من خلف الشاشات .
ثم بعد ذلك ، يكون متابعاً لحالة " نجلاء " ومعها " آسر " و " معاذ " . كأنهم على موعد ، وأن كل منهما في حاجة إلى الآخر . أو كما جاء على لسان " نجلاء " : " ولكنني أتلمس يد العون منكم دون أن أطلبه ، أحتاج إلى سفر " آسر " وخياله ، وواقعية " معاذ " وموسوعيته لفك طلاسم أرهقتني ، أحتاج إلى مناطحتك يا دكتور " أدهم " .
ـ وهي بالفعل استطاعت أن تكون منافساً قوياً للدكتور " أدهم " ؛ فتخلصه من أفكاره العلمية البحتة ، وتصل به إلى درجة إيمانية جعلته يتجه إلى الله ويؤدى العمرة بعد أن كان ملحداً .
ـ كذلك استطاعت أن تخلق من " معاذ " إنساناً مبدعاً ، يستفيد من علمه ويفيد الآخرين .
ـ وأيضاً ، جعلت " آسر " ينعم بفضيلة النسيان . ولولا موتها لما انتحر .
وكما هيء الله سبحانه وتعالى ذلك ل " نجلاء " ، وسخر لها ( الدكتور أدهم ، ومعاذ ، وآسر ) ؛ فإنه أيضاً سخر ذلك للدكتور أدهم " ، لأنه يعمل ضميره في التعامل مع المرضى ، ولم يلهث خلف المال مثلما يفعل الأطباء الآخرين في ابتزاز أهالي المرضى . ولذلك كانت الفرصة سانحة أمامه ليأخذ حالة " نجلاء " من زميله الدكتور " يوسف " رغم أن حالتها من الحالات الصعبة التي لا علاج لها والمتمثلة في ( عمى الوجوه ) ، وأيضاً لا أهل لها حتى يستفيد منهم مادياً . ولذلك كانت صفقة رابحة للدكتور " يوسف " أن يتعامل مع مريض الإدمان الذي كان يتابعه الدكتور " أدهم " .
وبذلك تكتمل الدائرة ، وتتحقق المقولة : " اضبط بوصلة قلبك جهة السماء ، وسوف تتبعك كل الجهات " . أضف إلى ذلك : لكل مجتهد نصيب ؛ فسرعان ما اكتشف الدكتور " أدهم " مالم يكتشفه زميله الدكتور " يوسف " بدقة ملاحظته لها عن قرب : " ولكن انتظر يا أدهم ، ها هي نجلاء تنتبه .. تصغي السمع وكأن أحدهم يحدثها ، أرى تعبيرات وجهها تتباين .. تتبسم ثم تضجر ، ترتخي ثم تتقلص وتغضب .. تتمتم بكلمات لا أتبينها .. تتأذى .. تنهار ، تجلس ساهمة باكية .. ماذا حدث ؟ ما كل هذا الذي تم في لحظات قليلة .
