مساحة إعلانية
عبد الرافع الانصارى
عندما نتحدث عنه فأنا نعيد سيرة ومسيرة قد يقول عنا قائل أنا نكرر ذاك لكون الخفاجى ملأ السمع البصر وأدرك الجوزاء ،
ثمة شرف وحبور يراودنى عندما أكتب عنه وكأنه الهمنا كيف نكتب عنه وأنه للفخر فى أن نتناوله بالقراءة والتحليل
قرائتــــى لأرض الخـــــــــــرابة
هى بعضا من كثير أبدعه هذا الرائع
صدرت عن مؤسسة سندباد عام 2010 جاءت فى 100 صفحة تقريبا
الاهـــــــــــداء
أن جاز لى أن أبدل كلمة الاهداء فقد رأيت " وقد يختلف معى غيرى " فى أن الخفاجى أفصح عن مكنوناته تجاه الرواية وكأنه يبرر أحداثا رأها ربما تكون مبالغ فيها وكأنه يقول انا لم اختلق شيئا فقط سمعت من غيرى فأرجع جل حكاياه عن الجن العفاريت والصفصافة وعبدالفضيل وام اسماعيل لمصادر نقل عنها ولم يصنعها ولكن الحقيقة البينة أن الخفاجى هو من صنع تلك الصورة بدربة واتقان
الخـــــــــــرابة
وضع لها عنوانا أشبه باللوحة فالمتأمل للرواية يجدها صورة لارض خربة وثمة ربط بينها والمصلحة التى كان يقطنها الانجليز ثم غادروها فتركوا فيها مبان وثمة أشياء أخرى كان أشهرها فردة حذاء عبدالفضيل تلك التى التصقت بقدمه حتى لقى ربه وما انفكت أن تغادره الا عندما وسدت القبر الى جواره .جاءت الرواية وكعادته تجد عددا من العناوين بدأها بعبد الفضيل وسنينه وانتهت بـ عود احمد .
امتهن الخفاجى جال سرده لروايته عدة مهن فهو الرسام والحكاء والنجار وبائع الجلوى وتاجر المواد الكحلية والبقال وحتى بائع الفجل وكان على دراية تامة بأساليب هؤلاء كيف يتعاملون وما هى بضاعتهم تحديدا ؟
غير أن ما امتاز به الخفاجى أنه لم يقحم نفسه بديلا عن أيهم فقط كان مجرد ناقل ووجدناه يقول فلان :
امتاز الراوى باسلوب رشيق واتخذ من الاساطير مسرحا أضاءه بومضات متلألأه ينضوا عليها قطرات من الدعابة والسخرية ولا يعوزه فيها التهكم والسخرية ومباغتة القبح وفضحه ولم أره يطلب منا مرة واحدة الاستعداد أو ربط الاحزمة للطيران والتحليق هو يحلق بنا فى انسيابية .صنع الحفاجى من شخوص روايته ابطال وهميين أو شبه حقيقيين ثم البسهم ثياب فضفاضة من النوادر والدعابة والفكاهة والموروث المليئ بالخرافات .واكتظت روايته بالشخوص والحكايا لم ينج ثمة احد من مبضعه الذى اعمله بتقنية عالية ولكل من اسماء شخوصه مدلولات عدة كما استعمل الفاظا موغلة فى البيئية فنجد لحكاياه صوتا ( بق بق بق ) كما نجد صوت أخر ( بقبق ) ( مخمرة ) ( المرمريس ) الفاظ انقض عليها من واقعه ( المطين ) ( عبدالفضيل وسنينه ) ( اسماعيل ويومه الاسود ) ( سيدى المبروك ) ( مدد يا سيدى ابو العسران ) ( عركة المسطح ) ( عود احمد ) .واذا ما عرجنا بايجاز شديد ومختصر على بعض من احداث روايته رأينا الخفاجى يرسم لنا صورة قاتمة تتخذ من السواد المتكلس على وقته والفاظه ولغته مدلولات عصره فمثلا نجده يحدثنا عن عبد الفضيل فيقول يركب حمارته شديدة السواد تتبعه كلبة سوداء ذات أثدية متهدلة بينما ينتعل فردة حذاء واحد هى الأخرى شديدة السواد فثمة تحد للون يجرنا لعالم أسود وظلمة حالكة . تقول والدتى : عبد الفضيل طول عمره فقرى ونقرى لا تعيش له زوجة فقد تزوج بعدد من النساء متن جميعهن ،كما أنه لا يحدث أحدا ولا يرى الا وهو متدلى على حمارته التى استسلمت لوقعتها الطين . يموت عبد الفضيل بحذائه ويجتهد اهل البلدة فى نزعه فلا يفارقه فافتى الشيخ متولى بترك الحذاء بقدمه كانت المسامير قد تشبثت بقدمه غسلوه على هيئته بحذائه ولما رفعوا نعشه لم يستطع الرجال التحرك به غير أن الملاحظ ان هناك من اخبرهم بأن هناك كائن آخر يفضل أن يتبعه أو يشاركه النعش أنها كلبته وحذائه ويبدوا أن الحكى غافل الحفاجى فلم يخبرنا أنه قد تمكن الاهالى من نزعه من قدمه ونامت كلبته ذات الاثداء المتهدلة الى جواره فسار النعش ثم يعاود النعش الوقوف عند باب مقبرته الا أنهم يكررون الامر ولكن فى هذه المرة أدخلوا معه الحذاء فيسمح لهم وهو المسجى بين طبقات كفنه بمواراته التراب . هكذا كان عبد الفضيل والمتأمل لأسلوب الخفاجى فى سرد حكاياه يجدها غاية فى وصف الاحداث بدقة ولا تخلو من الدعابة والفكاهة . يقول الخفاجى : أنه سمع احد الاشخاص يقول انه عندما غسل المغسلون عبد الفضيل وضعا له قطع من القطن بفتحة شرجه فكح ثم اعتدل ثم بصق عليهما ثم نام وفسرها لهم الشيخ متولى بأن ثمة علامة من علامات يوم القيامة قد بدت بموت عبد الفضيل فهو قد غادر الدنيا وطار الى السماء ثم عادت روحه غير راضية بما حدث فبصق على الرجلين اللذان غسلاه وكأنه يبصق فى وجوه الجميع لما اتوه من سخافات .
استحضارالشخــــوص
استحضر الخفاجى عواجه ( الذى هو فى الاصل عبد الحكم ) ليطوف بنا فيما كان يعانيه عواجة من الجنيات والعفاريت وكيف أن واحدة منهن طاردته فوقع فى ( مخمرة ) أبو عباس الناشفة فكسرت ساقه ومن يومها أصبح عواجه لا عبد الحكم أذا هو يبرر لنا الاسماء والشخوص وكأنه يقول لنا أنا لم أحشر اسما الا بمبرر
ونجده فى ( اسماعيل ويومه الاسود ) لم تسأل ام اسماعيل أين اسماعيل ولا حتى ( فين اسماعيل ) بل سألت ( وين ) وانما أردت أن ادلل على دقة اختياره للفظ هو موروث طبقى بيئى لبيئة اعتادت تلك الالفاظ لم يكن ثمة احد يلتفت الى ذاك اللفظ لو كتبها الخفاجى أين اسماعيل ؟ لكنما ثمة اخلاص لذاته أولا ولبيئته ثانيا ثم لعقلية المتلقى وكنا وأظننى قريب للخاجى أسمعه وهو يقول ( ناكل ) وهو من هو على قدر عظيم من الفصاحة وكنت كثيرا اطالبه بتغييرها الى أأكل .وبالولوج عبر ثقب سيدى المبروك يطالعنا الخفاجى بثمة أشياء ربما عفى عليها الزمن بعض الموروثات والخرافات والاباطيل يوم أن تسللت أمه لدار والدة ام اسماعيل فى حلبة ( الزار ) لترقب ما تصنعه تلك السيدات وهن يتحنجلن مرددات أسماء شتى وراقصات على نغمات معزوفات سوريالية لعازفين أو عازفات مريدين لطقوس عفريتية لا تمت لواقعنا الحالى بثمة صلة ثم يسحبن ( خروفا ) لم يقل الخفاجى كبشا بل خروف وكأنه يذكرنا باخلاصه لبيئته ثم يطمر ايديه فى دمه ملطخات شهورهن وابدانهن بالدماء ثم يهدأن وكأن الجن والعفاريت اللاتى سكنهن قد خفن من منظر الد ف غادرهن .

بتؤده ينسل الخفاجى من كل تلك الحكايا مولى ظهره لها يأخذ مكانا مناسبا ليسلط ضوئه على المشاهد واحدا تلو الاحر كاشفا وفاضحا لهذا التخلف ومبينا لبيئة رثة ثمة أثمال بالية متهرئة واناسا اطبق الهل انيابه فى عقلهم فما تركهم الا وهم يلهثون خلف أفكارا متهرئة أيضا . اختطفت الجنيات ام اسماعيل كما اختطفت ابنها من قبل لتلحقها بعالمه . ويختفى القمر ويدور الصبية بينهم ذاك الخفاجى ( احنا عبيدك يارب / والامر بيدك يارب ) ويسقط أسماعيل فى بئر الجامع ويجتهد الناس فى اخراجه ويهبط المبروك خلفه ليخرجه ولكنه يلقى الحمى وتدور ام اسماعيل بحثا عن تطبيبه وتنفق ما تنفقه لاجل شفاه ويختلط الامر ما بين بخور وطلاسم يفضها الراوى ويقرأ ما تطلسم منها ويكتشف الحال عن رأس المبروك الاقرع ويموت المبروك لكنما ثمة هاجس أخر وكأن الخيط ما زال بيد الراوى اذ يأتى امبروك لكثي من الناس مخبرا أياهم أنه من أولياء الله ويطالبهم باقامة مقام له وينتهى الامر بناء المقام بارض الخرابة وتقام المدائح وتنحر الذبائح ويعير الخفاجى اسماعيل بقرعة والده ( أقرع يا قرنقع / تحت الزير وينقع ) . لم يسلم الراوى من مس العفاريت ولهو الجنيات به فليوذ اهله بالشيخ ابو العسران ويردفه احد الرجال لمقام الشيخ ابو العسران وفى تلك الفقرة من الرواية يسلم الراوى كاميرته لاخر لينقل ما عن له وكأنه أصبح هو المصُور لا المصور وكان ذاك لخوفه من مشهد مقتل أم اسماعيل على يد احد أخوتها على أثر افتتاح الطاحونة التى يلزم لافتتاحها اراقة دم بشرى وتلك أخرى من الخرافات التى يفضحها الراوى وما يشفى من مرضه الا بأن يرى أم اسماعيل ما زالت على قيد الحياة فضحك كثيرا وبكى اكثر .
عركة المصطح
فى الحقيقة أن مشهد العركة هذه لم يلاقى قبولا فى نفسى فالمعرة انتهت الى صنع بطلا هو عبد الفضيل وكما انى ارى أن الراوى اعاد فتح اشياءا كان قد ذكرها سلفا وأرى أنه كان بامكانه أن يختزلها تماما كبحثه عن نسب عبد الفضيل هل هو جنى أم سمك ترى هل كان لابوين من العفاريت أم انه غير ذلك كان يأكل البتاو ولا يأكل الحشيش يفرك جسمه بالتراب فلاهو نارى ولا مائى وليس بشيطان الشاهد أن عبد الفضيل اختفى فى ظروف لايعلمها احد وكل قد أدلى بما عن له من خرافات واباطيل هل قتل عبد الفضيل ام اسماعيل يوم ان اخذها للخرابة ؟ اذن على الجميع البحث فى الخرابة عن رفاتها عظام نخرة لحار وجدوا رأسه مدفونا فى الخرابة وينجلى الامر عن تبرأة عبد الفضيل من قتل أم اسماعيل . ينتهى بنا الراوى الى عودة عبد الفضيل يحمل صرة على كتفه ملأت بالسبح والعطور قادما من الحجاز ويهدى الجميع سبحه ويلون داره ويموت فى مشهد أخير بين المشايخ والمديح وأكلى الجمر ويعلن دار عبد الفضيل دارا للمشايخ وتعلق الزينات على بابه وينعى فى مكبرات الصوت موت ام اسماعيل بالاراضى الحجازية ويأمر عبد الفضيل رجل اعرج قادما من بلاد المغرب بأن يبنى له مقام بارض الخرابة وفى ليلة افتتاحه تقصف اسرائيل قناطر نجع حمادى ليشعر الجميع بأن القيامة قد بدت .
تلاحـــــــــــــــــــــــظ لى :
1 - أن الفقرة من صـ 98 لاخر الرواية أنها خطابية أراد أن يقول لنا الراوى أن الامر ليس هكذا واعلن بصراحة رأيه وفلسفته وهو ما لم نعهده فى الخفاجى
2 – ماتت أم اسماعيل قبل عبد الفضيل وكنا قد رأينا أنها هى من نعت ابنها اسماعيل فثمة تضارب رأيته أن لم أكن مخطئا
3 – حج عبدالفضيل على ظهر جمل وفى هذا التقويت لم يك هناك مكبرات صوت اللهم الا اذا كان غياب عبد الفضيل كان لوقت كبير جدا
وأخـــــــــــــــــــــــــــيرا
كان الخفاجى رائدا من رواد فضح القبح محبا لبيئته محافظا على مكنوناتها لم يحد عن مفرداتها لوم يتصنع لغة ولم يعلن للجميع أنه هو من يروى فهو يتقن لتخفى ويعلن أكثر مما يبطن ولكنه فى رشاقة الصورة وخفة الظل وكثيرا من التندر والفكاهه رحم الله الخفاجى والحقنا به فى جنات عدن .