مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة في ديوان حسني الإتلاتي آهات الجبل والنيل.. بقلم كرم محمدين أحمد

2026-01-03 12:49 PM  - 
قراءة في ديوان حسني الإتلاتي  آهات الجبل والنيل..  بقلم  كرم محمدين أحمد
الشاعر كرم محمدين
منبر

​أول ما تقع عين القارئ تقع على عنوان الديوان وكل له من اسمه نصيب وفي ديواننا هذا سنفكك العنوان ودلالاته أولاً حتى نتمكن من الغوص في مكنونات ذلك الديوان:

الجبل – النيل – الألم وما ترمز إليه كل واحدة من الثلاث سالفة الذكر.

​أولاً: الجبل :-

​يعتبر الجبل فضاءً طبيعياً متميزاً عن غيره من صنوف الأمكنة الطبيعية الساحرة الجميلة والهادئة باعتبار ما يتيحه من قيم الحصانة والحماية والعزلة والسرية والهدوء والارتفاع والعلو... وغيره، لذلك نجد الشاعر العربي الحديث والمعاصر استثمره استثماراً رمزياً لما يحمله من حمولة دلالية وفيرة معرفية وطبيعية أو أسطورية بديعة ومتنوعة تحكي حكايات عن حب أو مغامرة أو كفاح مسلح وتضحية أو وحي إلهي وغيره.

​إلى ماذا ترمز الجبال؟ ترمز الجبال إلى النصر والملجأ وهي مواقع للعبادة والذبائح وتمثل عقبات وتحديات يجب التغلب عليها في رحلتنا الإيمانية تماماً كما يقف الجبل شامخاً وثابتاً ويمكننا أن نجد القوة والملجأ في حضرة الله.

​جمالية رمز الجبل في الشعر: إن ما يشعر به الجبل من حزن وألم وصمت وتعقل ورزانة ومفارقة لأحباب وأصدقاء.

​كما أن الجبل بما يحمله من غموض وأسرار وجدب وهجرات بحثاً عن الأمن والطمأنينة وعن الماء يعد من الأماكن التي يتشبه بها الشاعر الحالم والذي يبحث عن مكنونات داخلية وتطلعات يبحث عنها ويرغب في إدراكها بما يملكه من صفات ودوافع مثله مثل الجبل.

​ثانياً: النيل :-

​كان النيل أبداً وسيظل أبداً رمزاً للخير والبركة واليمن العطاء فهو أطول أنهار الدنيا وأوفرها ماء ورواءً يجري.

​فكيف يرى الشعراء النيل: تحدث "مسعود حامد" عن النيل فقال:

"ذلكم النهر الذي شغل الناس وألهم الشعراء والفنانين وعلم الفلاح تفاصيل الحياة وكون شخصية المصري".

​ولعب النيل منذ ظهوره أدواراً لها قيمتها في القصيدة معبراً عن الانتماء للوطن والوطنية وراصداً الحياة السياسية والاجتماعية في مصر وربط مصر تاريخياً بالوطن العربي والعالم.

والنيل ليس مجرد مفردة أو صورة تندرج من الجزئي للكلي إنما يؤثر على تشكيل القصيدة وتلوين موضوعاتها وعلى مستوى رموزها الدلالية.

​ثالثاً: الألم "آهات الشاعر" في الديوان "آهات الجبل والنيل":

​س - هل الجبل له آهات؟ أو للنيل آهات؟ وإلى ماذا يرمز العنوان "آهات الجبل والنيل"؟

​هل تود مني تلخيص هذه القراءة النقدية أو تحليل الرموز الواردة فيها بشكل أعمق؟

​[نص الصورة الأولى]

​بكل ما يحمله الجبل من صمود وشموخ وثبات (إلا أنه مصدر للخوف وعدم الطمأنينة والجدب والجفاف والفقد وغيره من مصادر الألم والوجع). والنيل رمز العطاء والسخاء يمثل أيضاً الخوف وأحياناً الجفاف وأسرار يحملها بداخله فكان قديماً مقبرة لعروس يتلقفها كل عام. بل كان يعتقد القدماء بأن سبب فيضان النيل وثورته كل عام هو دموع إيزيس حزناً على وفاة زوجها أوزوريس.

​وبعد قراءة العنوان تتجه أنظارنا للمؤلف وهو الشاعر حسني الإتلاتي. ولكني هنا أتحدث عن ذلك الإنسان الذي عاش فترة طويلة في جنوب مصر "أسوان" وارتبط بتلك القطعة الثرية من أرض مصر والغنية بالعلوم والفنون والآداب والتي تعتبر من أخصب الأماكن من وجهة نظري المتواضعة في مجال الثقافة بصفة عامة وأناسها الطيبين شعراء وأدباء وفنانين بالفطرة يضفى عليهم حرارة جوهم همة ونشاط لا حدود لها كما أن طمى النيل المتدفق مع مياهه من الجنوب متجهاً للشمال حاملاً معه الأصالة والطيبة والخصوبة والنماء.

​ذلك الوسط الأدبي الخصيب الرحيب الذي انغمس فيه الشاعر واغترف منه. بعد أن تميز بكتابة الشعر الفصيح وأبدع فيه واصل المسيرة بكتابة العامية ثم واصل زحفه مصوباً أهدافه نحو الفنون القولية والتي تتميز بها أرض الجنوب تلك الفنون الشفاهية كالنميم والمربع والموال وغيرها من فنون القول والغناء.

​خصص لهذا الديوان فن الواو بموسيقاه الرشيقة ووزنه السريع وتراكيبه البديعة وجناساته المفتوحة والمغلقة الناقصة والتامة منوعاً لأجزاء الكتاب بين:

​ذكر الله والمديح في الباب الأول.

​الغزل في الباب الثاني.

​شكوى الزمن والناس في الباب الثالث.

​الآن جاء الدور علينا أن نغوص في ابداعات الشاعر بمحايدة وواقعية ملمحين ومصرحين بما له وما عليه من خلال قراءتنا للعمل الذي بين ايدينا الآن:

​الباب الأول : - وخصص لذكر الله ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم

أربعة وأربعون مربعاً في إحدى عشرة صفحة تنوعت المربعات بين ذكر الله ومدح النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته. حيث أشار الشاعر لخلق رب العزة للإنسان وهدايته لطريق الخير والهداية. ثم بدأ لصفات النبي صلى الله عليه وسلم كالرحمة والصدق واللين مبيناً لمعجزاته كانشقاق القمر بين يديه. كما تطرق الشاعر للنصح بضرورة الالتزام بأركان الإسلام وهي الشهادة والتوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج بيت الله الحرام وموجهاً بضرورة الالتزام بمبادئ الإسلام وبر الوالدين.

​[نص الصورة الثانية]

​الباب الثاني : - وخصصه الشاعر للغزل بكتابة اثنين وثلاثين مربعاً في ثماني ورقات تناول فيه الشاعر وصف الحبيب ومفاتنه ولوعة الشوق والمحبة.

​الباب الثالث : - وخصص لشكوى الزمن والناس وكتب الشاعر مائتين وأربعة وخمسين مربعاً في أربع وأربعين صفحة تناول فيها الشاعر شكوى الزمن وهمومه.

​مدى ارتباط محتوى الديوان بالعنوان :-

​أخذ الشاعر من الجبل وبعض صفاته واستعان بها في صياغة مربعات مثل لفظ الجبل – الرمل – سبيكة ذهب مثل:

​على الشط نايم الجبل نوم ... رمله سبيكة دهايب

​لاجلك هاعدى البحر عوم ... لا حسن تقولى دهايب

كما استخدم صلابة الظهر متمثلاً في صلابة النخيل:

"والضهر نخلة لا منحنى" ولفظ رخام – صخر حجارة.

​أخذ الشاعر من النيل بعض صفاته واستعان بها في صياغة مربعاته مثل : لفظ الترعة القمح – الشامي – النسيم – الغيمة وغيرها من الألفاظ التي توحي بالخير والنماء والعطاء.

​عبر الشاعر عن الحزن باختيار ألفاظ الجروح – قلبي المحطم – السهم – السيف – الطعن – شرب المر – الحريق – الأنين – الحزن – البكاء –الدموع – المدامع.

​• ما يؤخذ على الشاعر :

الشاعر مثله مثل كثير من الشعراء الكبار له ماله وعليه ما عليه فكثير منا يقع في أخطاء قد تكون غير مقصودة أو أخطاء طباعة أو استعجال من جانب الشاعر أو دار النشر وسنذكرها فيما يلي:

​شاعرنا شاعر فصيح له باع طويل في كتابته. تأثره بالشعر الفصيح أوقع به في إقحام الكثير من الألفاظ الفصيحة في مربعاته منها ما تم توظيفه توظيفاً جيداً خدم المربع ومنها ما ظهر غريباً.

​هناك بعض الألفاظ تبدو غامضة على بعض القراء غير ساكني الصعيد لم ينوه عنها الشاعر مثل كلمة "جخنيقة" مثلاً ومثل المربع الثاني بصفحة "٦٦":

​ولا شفنا فيلة ولا ألفا ... ولا مرة روحنا بلازا

​من بحرى اسوان لحلفا ... غيرنا زمنا ما رازا

​التكلف في بعض الأحيان بغرض التجنيس بلوى عنق بعض الكلمات رغم أن ذلك مسموح به في بعض الأحيان دون المغالاة في ذلك.

​تكرار بعض المفردات في مربعين مختلفين لإظهار مهارة الشاعر لكنه يؤخذ عليه لأن جمال المربع أن يكون فريداً متميزاً غير مكرر حاملاً في طياته موضوع جديد أو حكمة أو عظة مثل:

​زي زي مانتا أصلاً عاجبني

5- بناء بعض المربعات به علل موسيقية تسبب فيها ربما التكلف أو طول الشطرة أو اختلاف غنائها وتلحينها الذي يختلف من منطقة لأخرى إلا أن للمربع لحن واحد طال أم قصر معتمداً على إلقاء الشاعر أو غنائه بصوت الفنان الشعبي فذلك الفن فن قولى شفاهي كما نعلم جميعاً.

​ختاماً :-

​الديوان في مجمله ديوان جميل ممتع زاخر بمجموعة من المربعات التي تعبر عن حال الشاعر والمجتمع وبه مفردات جديدة وتعرض لبعض الحكم والتناص كذكره قابيل وذكر سيدنا موسى وغيره مع صياغة بعض الصور والأخيلة والتي طالما يفتقر لها المربع.

مساحة إعلانية