مساحة إعلانية
التمحور حول الذات والهوية قراءة انطباعية في ديوان حسنى الاتلاتي " نقوش على جدار الروح"
يقدم الشاعر الجميل حسني الإتلاتي نفسه على أنه صوت البسطاء والمهمشين بل إنه يقدم إهداءه مصوغا ببساطة التعبير في مقابل بساطة ذائقة المتلقي في مناقشة همومه ومشاعره المتراكم عليها تراب الإهمال ؛ إنه حسني الإتلاتي الشاعر المعجون بماء النيل وطين القرية حتى شممنا الإهداء ..تلك النكهة النقية من شوائب المدينة فاقدة الهوية يقدم إهداءه هكذا " الإتلات مسقط قلبي البعيدة كالفردوس ؛ شجرة الجميز والنخلة المباركة ناسها الطيبين المرهقين في حب وصبر ؛ أسوان الجميلة النبيلة : نصرتني وأغنتني و أمّنتني وقبل هذا وذاك يقدم إهداءه إلى الإنسان روح من روح الله حيث كان .أهديك نزيف روحي محبة لك .
ثم يعرج إلى " بيانات شخصية " وهو عنوان لثلة من القصائد يعرف الشاعر نفسه خلالها بقصائد تأخذ عناوين معبرة موجزة هي ( قلبي، تمثال ، قناع ، سفر ، ابتهال ) يضيء من خلالها على ذاكرته الاجتماعية ، غير أنني وجدت بطاقة المشاعر المتكاملة برزت بكامل تفصيلاتها في قصيدة ( قلبي) فهو يلح على حفر مشاعره بلغة حسية عابقة غير متكلفة .." قلبي جميزة مشاعة الظلال...لعمال التراحيل ، " ثم يسترسل بانسيابية تأخذ المتلقي إلى لغة القرية حتى لا تكاد تميز بين مفردات الفصحى والعامية المصرية كأنما أراد شاعرنا أن يرسم الهوية المصرية من خلال أصالة مفردات القرية بتناغم يشهد له كل من سمع القصائد و يضفرها بموسيقى هادئة ناعمة الرقة لا صاخبة مزعجة فنجد " ثياب الكستور ، والجميزة ، والــحصر المزركشة ، والعشش الصفيح، وباب من الصفصاف ، وكسرة خبز و (قلة ) ماء حتى أنه يصف قلبه بــ مندرة وسيعة مفتوحة الأبواب للعصاة ..
ويعرج بها في القصائد التالية في تحديد ملامح الهوية المصرية وميلهم إلى التدين وتصاعد الحس الصوفي .
يأتي " القسم الثاني " في الديوان بعنوان رئيس هو ( تباريح) وعناوين قصائد ( ظمأ ، صلاة ، نداء ، تباريح " التي سمي القسم بها " ثم قصائد " غياب ، ذاكرة " وهي قصائد في مجملها تأخذ المنحى العاطفي وكما يقول الشاعر في ختام قصيدة " صلاة : " كافر من يكره الناس ، ومن يكفر بالحب كافر ، الحب لو عرف الناس الحب ..هو دين الإله ) وهي قصائد ممتعة عذبة المناجاة صادقة الأحاسيس .
يأتي " القسم الثالث " بعنوان " نقوش على جدار الروح " والذي يحمل اسم الديوان ويحتوي على قصائد تحمل عناوين كالتالي ( حصان مذبوح بجوار حائط ، وهي قصيدة عبارة عن مقطوعات شعرية مرقمة من (1 إلي 7) وبعدها قصيدة ( هدنة ) ثم ( الخروج ) وقصيدة ( ياعم ) والمهداة إلى عاشور خليفة صديقي النبيل ) وقصيدة ( في الشيخ والمريد ) وبعدها قصيدة ( ابريق فضة ) المهداة إلى ( عم عبد الحميد السيلي : أبي وأخي وصديقي رحمه الله ) وقصيدة ( لاعب عصا) وقصيدة ( حنين ) وقصيدة ( وأنا حزين ) ورغم طول وتعدد مسارات ( قصائد القسم الثالث) إلا أنه يعتبر صلب الديوان وبالفعل يحمل الجزء الأكبر من هموم الشاعر ومناجاته وشكواه من تغير الزمان وتقلب الوجوه وآلام وطنه قائلا ومبررا سبب حزنه في قصيدة ( وأنا حزين ) قائلا : ( ما عاد في وطني سوى صوت الرصاص؛ الموت في الطرقات أقرب من شتاء للزكام"
وتأتي قصيدة " حنين " وهي تحوي مشاعر حنينه إلى قريته كرمز عميق إلى هوية وطنية ممثلة في أقرب مكان إلى قلبه محدثا شخصيات من الذاكرة الماضوية ..( قريتي يا دما نازفا في صميم القثارة
..كيفك الآن
كيف فاطمة بنت أختي
كيف مروى وأحمد
كيف حال أخي الذي ..ما استراح
وما أراح نهاره ..)
وتؤكد قصيدة " لاعب عصا " على تلك المناجاة لمفردات قريته وشخوصها فقد كانوا يتحلقون حوله كمريدين وتسكرهم حكاياه ..إنه مكان الطفولة ثم ينصرف ليعمم مأساة ضياع "لاعب العصا "
وكما قلنا إن عصب الديوان هو مجوعة القصائد المندرجة تحت هذا العنوان الشامل فقد رسم بورتريهات حية ومحسوسة لشخوص لا زال يتذكرها ويريد أن يحافظ على حضورها في قصائده ما استمر حبه لوطنه/ قريته كقصائد ( ابريق فضة / المهداة إلى عم عبد الحميد السيلي) وحتى الــ ( الشيخ والمريد ) وقصيدة " يا عم " المهداة إلى "عاشور خليفة " ..أما ( القسم الرابع ) فيحمل عنوان " مواويل" ويحمل عناوين قصائد من بينها ( موال لعنترة ) وموال ( متولي ) على قبر ( شفيقة ) وهي قصائد تسير على نفس منوال اليوم الشفيق ومحاولة الخلاص من تلال الحزن والأسى التي تحاصر الشاعر أينما حل به المكان والزمان .مختتما ديوانه الجميل ( بالقسم الخامس ) والذي يحمل عنوان " أناشيد" وهو قسم يحوي خمسة قصائد هي ( كفى لوثة الرطب ، ومضات ، وطن ، محمدية ، أشواق ) وهي من الشعر العمودي ..أنشدها الشاعر لتكمل جولة الشاعر المنشد معتمدا على قدراته الفائقة على بناء قصيدة متماسكة لغة ودلالة وإكمالا لمتعة التلقي وتعدد الذائقة بين الشعر الحر والشعر العمودي وإذ بي أطوف بين ثنايا الديوان الثري بالدلالات والمعاني والمشاعر الفياضة الصادقة ، أختتم بقول : الله على هذا الزخم الإبداعي ومتلهفا لقراءة دواوين تالية للشاعر الكبير المجيد .
