مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة في رواية للعشق أوجاع وهذه منها لمحمود رمضان الطهطاوى.. بقلم نبيل بقطر

2026-03-02 08:15 PM  - 
قراءة في رواية للعشق أوجاع وهذه منها لمحمود رمضان الطهطاوى.. بقلم نبيل بقطر
للعشق أوجاع وهذه منها
منبر

 قراءة نقدية : عشق الروح.. رجم الجسد 

رغم أن البيئة الجنوبية كانت مسرحا ومحورا أساسيا فى معظم أعمال الكاتب الروائى محمود رمضان الطهطاوي , إلا أن روايته" للعشق أوجاع وهذه منها" والتي صدرت عن اشراقات جديدة -الهيئة المصرية العامة للكتاب- , والتي أهداها لتلك التي منحته لحظة التوهج، ويقصد والدته رمز الحب والعطاء بلا مقابل، تختلف عن معظم أعماله شكلا ومضمونا.

 تدور أحداثها بعيدا عن الصعيد, بل هى غير محددة المكان, وكذلك الزمن تركه الراوي للمتلقي, كي يحدده بنفسه ليحلق فيه, ولا توجد أسماء لشخوص، والرواية تبدأ بعنوان" المبتدأ" وهو بداية كل الحواديت,  والحدوتة تبدأ في مكان ما في زمن ما، بنظرة من عينين شهيتين مخترقتين جريئتين من المفتونة للعاشق, هى نظرة,  والكل ينظر, والكل هنا لشخوص من نبات وجماد, كساها الكاتب لحما ودما, وصارت تتحدث وتشعر, تحب وتكره وتتعاطف وتحقد وتحيك المكائد, شباك الحجرة يتلصص ويطل بعينين فاجرتين, باب الحجرة ينظر بعينين تنطلق منهما الرغبة, الحيطان تهمس, السقف يفضح نفسه, اللمبة تداعب, المكتب يبصبص, الكرسي يشعر بالاختناق, والأرض تخرج عيونها لتتأمل/ ص6, والسجادة المتهالكة اللعينة تشعر, وتتلذذ بجمال القدمين, وتلثم, والأصابع أيضا تشعر بالدغدغة, وتتراقص, والسندوتش ينهال على الشفتين تقبيلا, والشايف العارف المسروق من ذاته تأكل أسنانه شفتيه ص10, والهواء يغار من هذا الغرام، والكل يعشق المفتونة ويراقبها, ويريدها لنفسه دون غيره, ويجد أن له الحق وحده فى ذلك, وأنها ما خلقت إلا من أجله . والتي يبدو أنها الحياة بكل ما تحمل من زهو, أو ربما هى متع الدنيا, فالمفتونة تملك أجمل وأحلى العيون وأشهى الشفاه  وأحلى الشعور وارق المشاعر, ولديها جرأة لا مثيل لها ولا تملكها سواها, هي صاحبة الجمال الآسر للعقول والقلوب, والتي عندما تبتسم يبتهج الكون ص36, وقد يعتقد المتلقي أنها مجرد قصة رومانسية, ولكنه سرعان ما يأخذه الراوي إلى فكرته المحورية التي تدور حولها الرواية, فينتبه ويعود لبداية الأحداث,  ليجد انه لا توجد أسماء,  وهذا مقصود, ولا يوجد مكان في الرواية سوى حجرة, ربما كانت هي الشهوات التي نعيش في سجنها وخلف جدرانها, ولا يوجد سوى مكتب تستند عليه المفتونة خارقة الجمال, وربما كان هذا المكتب رمزا للعمل, أو ضرورة ان يعمل الإنسان, ليجد قوت يومه, ولا يوجد سوى بائع الفول والفلافل والموجود على الناصية, والتي يبدو أنها ناصية الدنيا لأن الشايف العارف تركها هكذا, والذى تخرج سندوتشاته رائحة غريبة وجميلة  تنتشر فى المكان, وليس كل من يشترى منه يشعر بما تشعر به المفتونة رغم أنهم يشترون منه كل يوم, ولهذا دلالة على بساطة المعيشة وبساطة الحياة التي لا ينبغي أن نهتم فيها إلا بالحب, والحب الصادق الطاهر المنزه عن الشهوات الزائلة, وهذا ما تتطلبه الروح العاشقة, أما الجسد فيشتهى ضد الروح,  وهنا تغرق الرواية في لجج الرمزية والحوارات ذات الدلالة, وبخاصة بعد أن تتزاور الروحان في الأحلام وأصبح العاشق والمفتونة صديقين للقمر والشمس والعصافير والزهور والأرض والرياح، ولكل من تعاطف معهما في عشقهما، وقد بدا المضمون منحازا للإنسانية والتعايش بين البشر-  بمختلف طبقاته وعقائده- بالوحدة والحب بينهم، وقد اتضح ذلك ولكن من خلال ما ينتهجه الراوي من رمز، حيث" تطلب الأرض من الكلمات العاشقة أن تدخلها تتوغل فيها تروى عطشها/للحب/ وتسقيها من شهدها فأنبتت العاشقة زهورا وورودا وحدائق غناء ورسمت باخضرارها ومسكها وعنبرها هيكلا لمكان ساحر له من الوقار والهيبة....حتى أن القمر/الهلال هبط فانتثرت بداخلة الورود والأزهار مشكلة علامة الجمع بالموجب فبدوا" متعانقان- متقابلان- متداخلان" من ينظر إليهما يحتار في أمرهما؟"

 ويغمر العطر الفواح الأرض والسماء والبحار والمحيطات حتى ديدان الأرض، ويطرح السؤال، من أين جاء هذا العبير؟،فتأتى الإجابة على لسان الرياح بأنه "عبير الصدق- عطرا لعشق- شذى التوحد " ص 33- 34،  لتظهر بوضوح الدلالة الدينية للهلال، والجمع الموجب وحتمية التوحد، والتي لا تعجب الآخر،  والآخر هنا هو" الشر"، عدو الإنسان، وعدو الخير، وهو الخط الموازي للخير فى الرواية ورموزه / الفئران/ الكائنات الهلامية/الرخوة .

  "الفئران تجبن وتدخل جحورها المظلمة والكائنات الهلامية تتجمد وذلك عند أول بادرة لتواجد الخير.

عندما يحين دور الخبر لتكتمل به الجملة / الرواية/ يظهر بوضوح مدى الضعف البشرى / شهوة الجسد/ ومدى تسامى الروح / ناموس الطبيعة البشرية، وعند الرغبة فى كسر هذا الناموس والسقوط، لا تستطيع الشمس الواضحة الصادقة بكل ما تحمل من نور ودفء، ولا القمر الذى زاده ورواده العشاق، ولا الرياح بكل ما تحمل من أعاصير، ولا حتى الأرض,  أن تفعل للعشاق شيئا، بل لا يجدوا ولا يمتلكوا ما يقدمونه لهم إلا الصبار, ليرضعهم الصبر، وتخرج الفئران القارضة بكل ما تفوح به من رائحة نتنة، والكائنات الهلامية بحقدها الدفين لكل ماهو خير وجميل،  لينالوا من هذا الذى يتغذون عليه /الجسد/ الذى نال جزاء هدمه للتقاليد، بالحكم عليه بالرجم  مع تلك الروح، بعدما انشطرا،  ولم يكتفيا بالحلم والتحليق، وقد تحولا في نهاية الرواية إلى رمز يحج الناس إلى مكانهما، ليستمتعا بالعبير والزهور الفواحة والرائحة العبقة، وسيرتهما التي ذاع صيتها مثل عنترة/عبلة و كثير/عزة و روميو/جولييت و جميل/ بثينة، وهم من أشهر العشاق في تراث العشق وجنون الهوى، وقد جاء ذكرهم ضمن سياق الرواية التي صاغها كاتبها بحرفية مستغلا قصة تبدو رومانسية وتوظيفها جيدا- بعبارات وكائنات وأشياء وعناصر-  ذات دلالات رمزية معلنا عن انحيازه للقيم والفضائل الإنسانية - ككل مبدع - من خلال هذا الصراع الذى يدور -منذ البدء - بين الروح والجسد والخير وما يقابله من شرور.

 هذا وجدير بالذكر أن محمود رمضان محمد؛ وشهرته محمود الطهطاوي من مواليد1962م طهطا- بسوهاج، ينتمي لجيل الثمانينات, يكتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية, وباحث وناقد له رؤيته الخاصة ومنهجه النقدي, الذي يميزه عن غيره.

صدرت له عدة روايات منها:(أسيرة - دكه المقدس يوسف- بئر العسل- شجرة الأربعين), وله مجموعة قصصية بعنوان "عند انحسار المسافات" وأكثر من مسرحية ومنها مسرحية" المزاد" وهى قصيرة جدا وحصلت على جائزة، وكتب عدة دراسات منها دراسة في الشعر الوهاجي, وكذلك المرأة في شعر حسين منصور, وله تحت الطبع (الرجل في قصص الكاتبات السعوديات-  الأقليات المسلمة مشاكل وحلول- عندما تحكى شهر زاد - رحيق الحرف)، وحصل على أكثر من جائزة منها (جائزة الإبداع للقادة عن مسرحية المزاد وجائزة وزارة الشباب عن دراسته نظام التعليم وجائزة القصة القصيرة من جريدة المساء) , ونشرت أعماله في العديد من الصحف والمجلات المصرية والعربية.

 

 

 

مساحة إعلانية