مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة نقدية في رواية محمدعبدالقادرالتوني كوبري العمال بقلم فتحى أبو المجد

2025-05-18 01:27 AM  - 
قراءة نقدية في رواية محمدعبدالقادرالتوني كوبري العمال بقلم فتحى أبو المجد
فتحى أبو المجد
منبر

الواقعية التسجيلية  في الغربة وأحلام السفر                                                                          

في سياق واقعي، يتماهى مع البيئة الجنوبية الجافة، لمجتمع جنوب الصعيد، يقدم الكاتب محمد عبد القادر التوني، عمله الروائي الأول " كوبري العمال (*("، حيث يرصد الكاتب في " واقعية تسجيلية " هموم الانسان الصعيدي البسيط، المسكون بتفاصيل الغربة ولقمة العيش، والعمل في بلدان الخليج العربي، الغنية بالنفط، وحاجتها الدائمة للعمال المصريين، وقد اعتمد الكاتب في السياق الروائي، نبـرة الراوي العليم، التي سرعان ما اختلطت واشتبكت دون وعي، في تفاصيل الراوي المشارك.

 ولا يمكننا في هذه المقاربة، إلا أن نحي الكاتب، علي اقتناصه الفكرة المقدمة، والمضي بها نحو سياق روائي جاذب، لكن اختلاط صوت الراوي السارد، مع صوت الراوي المشارك، أفسد قسطا من متعة القارئ، مع الرسالة المقدمة، رغم الصدق الفنـي في الحبكة، إضافة إلي ازدحام الروايةِ بكم من الأخطاء اللغوية، مع عدم وجود علامات ترقيم للفقرات، أو تسلسل فصلـي للصفحات، غيـر أننا سنمضي في اتمام القراءة، معتمدين علي جاذبية الفكرة المطروحة، من مكامن واقعيتها التسجيلية، تاركين للكاتب، معالجة ما أصاب جسد روايته من جروح، نتيجة ولوجه الأول في بحر السرد.

   تبدأ الرواية من حلم ذلك الشاب "محمود"، الذي أنهـي فتـرة تجنيده العام1991، ومثل أبناء قريته الفقيـرة، عول لبدء حياته العملية، التفكيـر في مسألة السفر الي السعودية للعمل، لكن حلم الشاب، اصطدم بعقبة عدم وجود المال الكافي، الذي يؤهله للسفر، وتستمر حيـرة والد محمود، العامل بالمدرسة مع الأم أيضًا، في كيفية تدبير مبلغ السفر الي الخارج، وتتبدد حيـرة الأسرة فجأة، مع تدبير مبلغ أربعمائة جنيه فقط، من خال محمود، حين وجدهم جميعًا حائرين ذات ليلة، ووجهوهم متغيـرة، خلال زيارته المسائية الي بيتهم، حيث يطمع الخال" الحاج علي" في شراء نصيب أخته والدة محمود، من أرضها الزراعية، التـي يشرف عليها بجانب أرضه، لذا هم بإقراضهم المبلغ اقتناصًا للفرصة الكامنة في نيته، وفي هذا الإطار يأخذنا الكاتب في حلقات التشويق والإثارة، منذ البداية، وهو يربط أحداثه بأكثر من عقدة، يحلها تباعًا، لكن المعضلة تبدو قائمة، فيما سيفعله "محمود" بهذا بالمبلغ البسيط، وهو في أجواء الليالي الأخيـرة من شهر رمضان، فقرر "محمود" أن يذهب لأداء العمرة، ومنها يبدأ رحلة العمل بالسعودية، ومن هنا يسرد الكاتب، كثيـرًا من الوقائع والأحداث، وايراد كم هائل من الشخوص، فمن حجز تذكرة سطح له، في باخرة السفر، ومقابلة مفيدة لصديقه "ابراهيم" الذي سيرافقه الي ميناء سفاجا، مع بعض أبناء قريتهم، بنية السفر جميعًا للعمرة وهناك للعمل، كما سنجد كذلك بالرواية، كثيـرًا من السياقات وأطروحات الواقع المعيش، لكن يبدو لنا وضوح صوتين للسرد، فالرواي العليم يسرد الأحداث من بعيد، فجأة نجد "محمود"، يطل برأسه من بين السطور، كراو مشارك، ناهيك عن غياب تقنية تشكيل الحوار، كونه جاء حوارًا مسرحيًا لا روائيًا، ولابد للكاتب الروائي في حواره، أن يطرح وصفه الكامل والدقيق، لأحاسيس المتحاورين، وينقل الإنفعالات والصور الذهنيةِ للقارئ، لجعل المتلقي، يتخيلُ توابع المشهد الدرامي كاملا.  

 في الباخرة المبحرة إلي السعودية، تتوالي بعض الأحداث الطريفة أو المزعجة، وسط أمواج البحر الأحمر، والخواطر المتواترة التي تلفح ذهن "محمود"، الخائف من المصير الذي سيقابله في هذه الرحلة الشاقة، وهو محمل بجملة السلامات، وكرتونة الهدايا التي تضم ما فيها من، (السمن والملوخية الناشفة ودخان المعسل)، وعلي سطح الباخرة، يتسامر "محمود" مع مجموعة الشبان، والصحبة المسافرين معه، بقيادة الصديق "ابراهيم" ابن بلدتهم، وصاحب الخبرة السابقة في السفر والعودة، وهنالك تفاصيل أخري، بعد وصول الباخرة الي ميناء جدة، واستقلال "محمود" وصديقه " ابراهيم " التاكسي، الي سكن" صبري" أخو ابراهيم المقيم، بالنزلة اليمانية، مع عبد الهادي وعبد الحكيم، وعسران، أبناء القرية والعاملين بمجال المعمار.

ـ( وكان هناك باب مفتوح دخل منه " إبراهيم "ودخل " محمود " خلفه .طرقة ضيقة لا تزيد عن المتر ونصف المتر ؛ على يسارها باب غرفة موصدة، وفي نهاية الطرقة صالة صغيرة يجلس فيها " عبد الحكيم " أمام التلفزيون ؛ وكان دخول " إبراهيم و محمود " بالنسبة له مفاجأة غير متوقعة ؛ فقام مستغرب ا متهللا من وقع المفاجأة وهو يتبادل الأحضان مع " إبراهيم " ، ثم جاء الدور على " محمود " ؛ فتبادل معه الأحضان أيض ا ، ثم التفت إليه " عبد الحكيم " بدهشة واستنكار مردد ا :

واه .. واه .. محمود ! وكأنه لم ير " محمود " عندما تبادل معه الأحضان ؛ فأحس "محمود " في استغرابه هذا شيء من التهكم والسخرية وأحس أنه تشجع ودخل الحرب لكن بغير درع ؛ فأسرها " محمود " في نفسه ولم يبدها له ، بعدها أخذ " عبد الحكيم " يسأله عن أهله ! لأن هناك صلة قرابة تربط بينه وبين " محمود " .لحظات وخرج من الغرفة المفتوح بابها على الصالة " عبد الهادي " وهو من الشباب الذين يعرفهم " محمود " ، سلم عليهم ا ببرود وكان للتو مستيقظا من النوم ،

ثم قام " إبراهيم " وتحرك ناحية الغرفة المغلقة وفتح بابها ودخل وأيقظ أخوه " صبري " الذي يكبره في السن والذي يعمل نجار مسلح ، وكذلك أيقظ واحد ا آخر يسمى " عسران " وبعد أن سلما على " إبراهيم " خرجا من الغرفة ليسلما على " محمود " بحرارة رغم أنهما لا يعرفانه جيد ا ؛ ففارق السن بينهما وبينه كبير).

 والمشهد السابق كما ورد، نقلناهُ بسطوره وهيئته، لإبراز  تفاصيل لا داعي لها، في السياق الروائي، قد أربكت البنية الفنية للرواية، التـي بدأت أحداثها تمضي مع الراوي العليم، الذي يسرد الأحداث بحيادية تامة، الي نهاية الرواية، بينما أطل في بعض الفقرات صوت "محمود"، كراو مشارك بشخصه لحمًا ودمًا، في أحداث ما يصفه من أماكن، وما يتعرض له من مواقف، كما يكتنف أحداث الرواية، رصدًا وسردًا موثقًا، بما يسمي ( الواقعية التسجيلية)، التـي تسجل في العمل الروائي، تفاصيل ثانوية أو رمزية.

 هكذا تبدو الواقعية التسجيلية، تسجل أبعاد الحدث الواقعي، بكل تفاصيله الظاهرة والمستترة، لذا فتلك ( الواقعية )، لا تخجل من ذكر مشاهد ووقائع أي مجتمع، وهنا نشهد مشكلات العمال المصريين، البسطاء المغتـربين، الذين يسافرون للعمل في أنحاء السعودية، وهموهم المتفاقمة، في البحث عن العمل، ومشكلات العمل ذاته، فيما قبله وما بعده وخلاله، ما بين وسطاء وأصدقاء، وأقارب ومعارف، وما يقابل أولئك العمال المصريين، من ظروف صحية، وتعرض بعضهم، لحوادث وقوع من أعلي سقالات المباني، وحوادث دهس بالسيارات المسرعة، ومشكلات أخري في أسلوب المعيشة الجماعية، والحصول علي الوجبات الغذائية، مع وجود منافسات وتسابق في العمل، ومناكفة وعداوات، ومشكلات في السكن وطمع الكفلاء السعوديين أصحاب العمل، مع ضراوة رجال الشرطة، المنتشرين يوميًا في الشوارع، وهم يتعقبون العمال الأجانب، لتوقيفهم بشأن اقامتهم، في غدوهم ورواحهم، وأماكن عملهم، وأماكن تواجدهم المعروفة، خاصة المكان الذي يضمهم يوميًا، ليكونوا جاهزين لتأجيرهم للعمل باليومية، وهو تجمع يسمي (كوبري العمال)، حيث تهب الشرطة السعودية فجأة في أي لحظة، لملاحقة تلك الجموع العاطلة، والجالسة بانتظار العمل، حيث تفاجئهم الشرطة بغتة لتطاردهم، بغية ترحيلهم لنهاية مدة اقامتهم، ومحاولة فرار وهروب البعض منهم، الي الشوارع الخلفية، ومن مكان الي آخر، داخل بلاد المملكة السعودية، هربًا من هذا التعقب الشرطي المستمر، لترحيل من انتهت فتـرة اقامتهم، وهذه المطاردات المهينة، والتـي يرونها العمال المصريين، فعلا جائرًا وعملا مخجلا من السلطات لهم، حتـي وصولهم لتلك النهاية المحزنة، في القبض عليهم وترحيلهم لبلادهم، بعد تكبدهم مشقة السفر والتنقل المستمر، ليأتي ختام المشقة في قسوة الترحيل، رغم ما عاناهُ العمالُ في أعمالهم المهلكة، وإقامتهم بالغربة القاسية.

ــ( " سعيد " رافعا الحذاء في يده : عايزين نتغدى يا معفنين؟

" الماسخ " : نتغدى ملوحه !

" سعيد " المعفن معفن .

" الجميع " : يضحكون .

" جابر عبد الله " : نتغدى لحمه .

" سعيد " أهو دا الكلام" سعيد " : اغسلوا المواعين وأنا رايح شارع بن لادن أشترى اللحمة

فقام " جابر عبد الله " على الفور وخلع جلبابه وبقي بالفانلة والسروال الفلاحي ؛ ثم خرج من البيت وعاد بسرعة وكفتيه مملوءتان بالرمال ! ثم دخل إلى المطبخ وأفرغهما في الحَلة الكبيرة التي يكسوها السواد وأخذ يدعك فيها حتى أشرقت ملامحها ثم شطفها بالماء ) .

 هكذا يبدو الحوار عند كاتبنا، رغم واقعيته، لا ينقل احساسًا تهكميًا أو مأساويًا، لكونه حوارًا مسرحيًا لا روائيًا، فحوار النص المسرحي، المؤدي فيه دوره ينقل إحساسه مباشرة إلي جمهوره، أما الحوار الروائي فعلي الكاتب عبء نقل انفعالات وأحاسيس الشخوص إلي المتلقي، لذا يظل تشكيل حوار كاتبنا الروائي، لا يتلمس مضمونه دقة الوصف، لمعايشة القارئ أجواء المتحاورين، لكننا سنعود للأحداث، مفندين حالة الارتباك التـي انتابت الجميع، بعد القاء الشرطة السعودية، القبض علي بعض العمال المصريين، المنتهية تأشيرات دخولهم الأراضي السعودية، وعادة ما يكون الشخص المقبوض عليه للترحيل، خالي العمل منذ فتـرة، أو لم يمض علي وصوله إلا زمنًا قصيرًا بعد العمرة، وربما كان مريضًا، أو ليس لديه مالا يكفيه للأكل طوال الطريق، مما يضطر بعض المصريين، بمده ببعض الريالات، كمنحة مساعدة، في محنته لحين عودته الي مصر، ومازال الكاتب يحاول الانطلاق علي سجيته، في خضم السرد وثنايا الحوار، ليبث روح التريث والنصح، فيمن يعقد النية للسفر الحر بلا عقد للعمل.

ـ( أذهل " محمود " هذا الزحام الشديد فوق هذا الكوُبري وعلى أرصفة الطرق حتى أنه لم ير الكُوبري نفسه .. لكنه رأى من بعيد الترعة التي تمر من أسفله حيث كانت جافة جرداء فهي حُفرت خصيص ا كمجرى للسيل ، إلا أنه توجد فوق هذا الكوبري حركة غير مسبوقة لم يرها " محمود " في جميع الطرق التي سار فيها بالتاكسي منذ دخوله المملكة .

محمود : ناس كتير . سعيد : إنت لسه مشفتش حاجه ! ده كُوبري العمال).

هكذا يحاول الكاتب إيضاح رؤيته في أحلام السفر، وكأنه يقدم نصيحته بطريقة روائية، ليؤكد للشباب أن اختيار السفر، يُعد طريقًا شاقًا، وتفاصيله مؤلمة، ونهايته غير مأمونة العواقب، وحصاد الفائدة طوال غربة السفر، لا ثمرة فيها، ولا يسعنا في قراءتنا ذكـر كامل التفاصيــل، وإن قصدنا إيصال رؤية الكاتب الي جمهوره، الذي حاول جاهدًا اسعادهم بهذا الابداع الروائي، رغم غياب بعض الأصول الفنية اللازمة، لإنجاز عمل روائي مبهج.

( وعلى اليسار غرفة تنفرج على صالة ليست بكبيرة لكنها مكتظة بأناس يعرفهم " محمود " جميع ا ينتظرون آذان المغرب الأخير في شهر رمضان .. قاموا جميع ا متهللين يصافحونه " حداد " وهو رجل مسن .. " الماسخ " شاب في العشرينات .. " طاهر " في الخمسينات وهو يتقارب في السن مع" سعيد " .. " المطيري " ابن أخت " سعيد " يقف بسرواله في المطبخ وهو في العقد الخامس من العمر أيض ا ومعه " جابر عبد الله " بسرواله الفلاحي والعرق يتدلى منهما بغزارة من فعل حرارة الجو ونار المطبخ .. " الجزار " شاب في العشرينات ولا يعرف شيئ ا عن الجزارة لكن أسموه جزار ا ولم يكن أبوه جزار ا ولا جده أيض ا ! لكن لماذا أسموه جزار ا ؟ لا ندرى ؛ وهو لا يكف عن الكلام والثرثرة فيلتفت إليه "سعيد " مبتسم ا قائلا له : ياود عامل زي " فنجرية " متبطلش رغى واصل ؛ فيضحك " الجزار " ويضحك من حوله أمثال " أبو شنب " و " علاء الدين " و "ومرتضى " وهم يلتفون حول لعبة الدومينو ؛ وهم شباب من نفس سن الجزار ومحمود ويعشقون الضحك ، أما " على بُحه " فكان يداعب علبة سجائره قبل الإفطار وهو جالس وكرشه يتدلى أمامه ؛ فما أصعب الصيام على أصحاب الكروش! في تلك اللحظة دخل عليهم شخص لا يعرفه " محمود " ؛ فعرفه به " سعيد "قائلا : المعلم " نجيب " ؛ فسلم عليه " محمود " وبادله " نجيب " السلام بحرارة وابتسامة ، أما " جابر " الكهربائي القاهري الذي أحب العيش مع هؤلاء الصعايدة فلم يكلف نفسه القيام للسلام على " محمود " إذ كان منبطحا على بطنه ويطلب من المحيطين به أن يتطوع أحدهم بدعك ظهره لأنه يؤلمه ؛ فينظر إليه " حداد " الرجل المسن نظرة حادة جد ا لا حظها " محمود " جيد ا ، " خيري "في الخمسينات من العمر وهو أكثرهم طولا وعرض ا من الشرقية ويعمل بناء ا وهو صديق مخلص ل "طاهر " لأنهما لم يفترقا منذ التقيا في مؤسسة واحدة منذ أكثر من ثلاثة عشر عام ا ، امتلأت شنطة " محمود " بعلب السجائر ! فلم يتخلف أحد في أن يحضر له علبتان من السجائر وكانت أغلبها تحمل حرفان باللغة الانجليزية l – m إل إم، ..)

 ومن هنا نفند غرام الكاتب، بإيراد كثيـر من التفاصيل، التـي أضرت بانسياب الرواية، إلي افقها الطبيعي، وتحميلها ما لا تطيق، حيث وجدنا شخوصًا ثانوية، وأحداثا مروية، لا مبـرر لوجودها في السياق الروائي، مثل التركيز علي ذكر مجاميع العمال، وهذا لا يخدم التسلسل الوظيفي لأحداث الرواية، ولا يؤثر مطلقًا علي مسارها، لكنه يمثل ازدحامًا خاملا غير مطلوبا، أحال الرواية الي روح منخنقة المعالم، غيـر منطلقة بيسر الي بغيتها، كذلك افتعال حادثة سرقة ريالات "محمود" من جلبابه، وهو نائم علي سطح الباخرة، دون تقديم الكاتب الفاعل الجاني، الذي ارتكب هذه السرقة، مع السكوت غيـر المبـرر والباهت للشاب "محمود"، علي هذه الفعلة، فلم يوضح "الراوي/ السارد"، هل سُرق "محمود"، من جماعته المرافقة..؟ أم من غيـرهم..؟، كذلك صوت الراوي العليم، يجب أن يظل سَاردًا مُحايدًا، لا يناصر إلا صوته الحر، ولا يجهر برأي إلا لتوضيح معني مستتر، وهنا لا نجد بدًا، من مواجهة الكاتب بما كتب، انطلاقًا من توجيهه إلي الصواب، لا تهوينا من قيمة انجازه، فالنقد الأدبي، وظيفته المعلنة، هي بسط الرؤية للعمل الابداعي، من كافة الجوانب والزوايا، سردًا وحوارًا واتجاهًا فنيًا، لذا راعيتُ استشهادي بالسرود والحوارات، بما ورد نصًا من سطور الرواية، لإعلام الكاتب إلي ما لم يره، في سطور منجزه الأدبي، من سطوع أو خفوت، ربما كان سببه ( تغيـر الضمائر) فجأة من الراوي السارد إلي الذات، انطلاقا من هذا الملمح في الرواية، عند وصف موجات البحر:

ـ(ـ"فترتفع عاليا حتى تصل ) إليك ذراتها(، وما إن تتلاشى حتى تظهر موجة أخرى خلفها.. وهي تذكرنا بالتراث الفني المصري القديم: "  والموجه تجري ورا الموجه عايزه تطولها"؛)

 مما طعن الخط الدرامي للسارد، وأربك سير الأحداث، وإن كنا وصلنا إلي تمام مقاربتنا، وقد اهتدينا إلي ما ود ايراده الكاتب في روايته، من رؤية ورسالة، بمنجزه الروائي،( كوبري العمال).

ـ( لم يمكث " محمود " طويلا في سجن الترحيل ؛ فما إن جاء الصباح حتى وجد "المطيري " ابن عمه الذي كان يعمل في " ديرة الكامل " وجاء خصيص ا من أجله عندما سمع من الآخرين أنه تم القبض عليه ؛ موجود خارج أبواب السجن ويرغب في زيارته ؛ وطلب منه جواز سفره حتى يحجز له تذكــــرة في العبارة  المتجهة إلى مصر؛ فأخرج " محمود " جواز السفر من جيبه وأعطاه " للمطيري " وأعطاه أيضا ثمن التذكرة والذي كان يحتفظ به " محمود " دائم ا بين صفحات الجواز تحسبا لهذا الموقف ، وبعد قرابة نصف ساعة عاد " المطيري " مرة أخرى ليأخذ رأي " محمود"في موعد الحجز ! إذ أخبره أن هناك باخرة سوف تقلع عصر اليوم لكنها متجهة إلى ( ميناء السويس ( وميناء السويس في مصر يبعد عن الصعيد الذي يسكن فيه " محمود " كثير ا ؛ وأن الباخرة المتجهة إلى " ميناء سفاجا " القريب منهم سوف تقلع بعد ثلاثة أيام ؛ فلم يتردد " محمود " في السفر على متن الباخرة التي سوف تقلع عصر اليوم متجهة إلى ميناء السويس ؛ ورأى أن بعد المسافة وعناء السفر في الحرية أفضل من البقاء في السجن ! وبالفعل وصل " محمود " إلى ميناء السويس البحري في 28 يوليو 1997 م وعاد صفر اليدين ؛ لكنه في حالة من الرضا أنه أنقذ والديه وإخوته من البيت الآيل للسقوط ووجودهم في مكان آمن ؛ وبرغم مرور سنوات عديدة على هذا الحدث إلا أن " محمود " ما يزال يشغله كوبري العمال ويشده إليه حتى الآن عسى أن يجد فرصة أخرى سانحة للهرب ! لكن دون جدوى ! .)

هكذا يبدو تحميل جسم الرواية، بما لا تحتمله من سرد، ويبدو ذلك جليًا في كم الشخصيات الثانوية، الواردة بلا داع، وهو اقحام ليس في محله، إضافة لضعف الأداء الحواري.

( قبل الدخول في هذا المعتقل ! ؛ فوجد صف ا طويلا من الناس يقفون أمامها رغبة في الشراء ؛ فأخذ دوره في الصف ؛ كان في حاجة إلى كوب من الشاي ؛ فسأل الشاب الذي يقف أمامه في الصف عما يردده الناس من ضرورة اكتمال العدد كشرط لخروج الناس من هذا السجن فنظر إليه الشاب وسأله :

الشاب : انت جيت امتى ؟

محمود : النهارده .

الشاب : اسجد شكر لربنا !

محمود : ازاي ؟

الشاب : في ناس موجودة هنا من عشرين يوم ؛ كان السجن ده فاضي !

محمود : يصاب بشيء أشبه بالدوار أو ما يشبه الغثيان ويشرد ويلتزم الصمت .

وأخير ا وصل " محمود " عند النافذة الصغيرة وحصل على كوب الشاي مقابل واحد ريال ؛ لم ينس " محمود " وهو يأخذ كوب الشاي من البائع أن يلقي نظرة من هذه النافذة على السجن.)

ختامًا فإننا نشيد بتجربة الكاتب، محمد عبد القادر التوني، في روايته" كوبري العمال"، الذي اعتمد فيها علي اقتناص الفكرة الجيدة، والمضي بها نحو سياق روائي جاذب، لولا بعض مثالب السياق الروائي، بازدحام التفاصيل الزائدة، التي لا تجلب توضيحًا، أو تؤكد رؤية، والتـي كان يمكن تلافيها، لتقديم رواية مؤسسة، علي تكامل المعالم الفنية للسرد، شكلا ومضمونا، منها وجوب صوت واحد للسرد، واختصار كم الشخوص الثانوية، بقصد منع الترهل والحشو، مع تشكيل الحوار بطريقة ذكية، تخدم المنظور السردي، كون الحوار الروائي، يطرح أحاسيس المتحاورين، وينقل مشاعرهم النفسية، التـي يبدونها لبعضهم عند الحديث، والتي من شأنها شحن المتلقي، بتخيل الصورة الذهنية للمشهد، خلال تدفق الحوار وتنامي السرد.

  • الهوامش: * " كوبري العمال" رواية .. للكاتب محمد عبد القادر التوني ـ دار أم الدنيا- 2023.

مساحة إعلانية