مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة نقدية لديوان "البشارة" للشاعر حسني الإتلاتي... بقلم د. سحر محمود عيسى

2026-02-16 04:15 PM  - 
قراءة نقدية لديوان "البشارة" للشاعر حسني الإتلاتي... بقلم  د. سحر محمود عيسى
د. سحر محمود عيسي مع المبدع الراحل عماد قطري
منبر

                                                                                       (١)

أولا:  (ديوان البشارة) للشاعر (حسني الإتلاتي) من الأعمال الإبداعية التي تستحق أن يمد القارىء إليها يدا، ويفتح لها قلبا..

وهذه القراءة النقدية لا تهدف إلى عملية رصد وتتبع لأساليب وتقنيات وأدوات فنية، بشكل جاف يخلو من التفاعل الجمالي والمعايشة الوجدانية، وكأننا نحصي عددا،لكنها محاولة لتأمل نصوص الديوان بعين المتلقي الممارس للقراءة بشكل عفوي مجرد من الأحكام المسبقة، أو تبني قوالب معينة،لذا وجب التنوية كذلك على أن هذه القراءة لم تتناول التحليل المفصل لنصوص الديوان جميعا فهي ترسم صورة عامة،وتقف عند ملامحها وزواياها.. 

                                                                                     ثانيا: عناوين القصائد

رقص رائع لم يكتمل، وعائد إليك، فوق السحاب، أشياء طازجة كخدودها بالضبط، طفلية العينين، أحزان عائلية، بورتريه،مرثية،عرافة القرى، حضور الغياب،من دفتر معاركي الخاسرة، البشارة، ولد برائحة السماء،قصائد جارحة، النبوءة، ويبقى غنائي، نتوءات على جسد، الغصون اليابسة..

عندما نتأمل "عناوين القصائد"  سنجد أنها تجاوزت الدلالة الظاهرة لكلمة العنوان وعبارة: العتبة النصية، إلى مصطلح آخر، في رأيي، وهو" النص الآخر/ الموازي" الذي يشتبك مع النص الأصلي ليكون ظلا له، أو صدى لروحه وحسه، وهذا ما ينطبق على بعض العناوين، حيث إن هناك عددا آخر لم يخرج  عن دائرة " الكلاسيكية النصية" ولا أقصد انتماء النص ذاته إلى مدرسة بعينها، لكني أقصد أن العنوان نفسه، يجعلك تستدعي صورة أخرى قرأتها لشعراء آخرين، أو تستدعي اتجاهات شعرية معروفة..

أما النوع الأول الذي يلمس حافة الدهشة والاختلاف  من العناوين مثلا: البشارة، ولد برائحة السماء، النبوءة، رقص رائع لم يكتمل، عرافة القرى..

ومن أمثلة النوع الثاني: عائد إليك، مرثية، ويبقى غنائي، طفلية العينين.. 

                                                                                      (٢)

                                                                                        عن الإهداء والأسئلة المفتوحة

كتب الشاعر في إهداء الديوان:

العجوز الواقف

يسد باب الريح

بيديه الناحلتين

ويفرش قلبه

المثقوب

ملاءة لأفراخه

ويفضل الشاي مرا

وحافا

والشتاء بلا امرأة

أبي...!!!

كيف تستكثر أن

أمنحه

بعض رجع نشيدي

يا أخي

عندما طالعت  إهداء الديوان، استدعيت مصطلحات نقدية حديثة لها مكانتها، مثل: المفارقة التي تضع القارىء بين لعبتي المراوغة والدهشة والمتعة، فنحن أمام عتبة نصية جديدة غير متوقعة، أو لعلها خالفت أفق التوقع الذي استقر في أذهاننا عن الأشكال التعبيرية المعروفة والصيغ المكررة في الإهداء؛ وهذا هو أول خيط جمالي يجذبك نحو القراءة والإبحار، ولعل مصطلح أفق التوقع الذي نستخدمه كثيرا في نظرية التلقي لا ينطبق فقط على هذه العتبة النصية، بل يتجاوز ذلك إلى سطور الديوان نفسه..

-ثم يطالعنا "الأسلوب القصصي" وهو من تقنيات السرد المؤثرة، لاسيما عندما يشتبك مع لحظة إنسانية حاضرة وليست عابرة..

ولم يتوقف الإهداء عند هذه الدلالات فحسب، بل يدفعك كذلك إلى رسم صورة شاخصة في ذهنك عن ذاك العجوز الواقف الذي يسد باب الريح، عندما تتأمل الأسطر الأولى وتفكر قبل أن يزيح الشاعر الستار عن بطل قصته..

ولكن إذا تخيلنا أنه لم يفعل ذلك، فهل ستختلف حالة التلقي؟

شخصيا وبشكل عام عند قراءة الأعمال الأدبية لا أنشغل كثيرا بالتفتيش وراء المقاصد والدلالات والأسئلة؛ التي لا إجابة عنها مثل: ما المقصود الحقيقي للكاتب هنا أو هناك؟

 هل الصورة  القصصية في "الإهداء" مثلا  ترمي إلى الذات أو إلى شخصية ما في المجتمع أو الواقع، كلها أسئلة متاحة كما قلت، لكني أشعر أنها تشبه الأسئلة المعروفة في النقد القديم حول من محبوبة الشاعر وهل هي حقيقية أو متخيلة!

في رأيي أن هناك أسئلة في الأعمال الإبداعية تظل مفتوحة مهما حاولنا، وهذا ما نراه في تراكيب وعبارات ونصوص مختلفة في الديوان، ورغم أن قارىء الإهداء سيتعرف على ملامح العجوز من خلال النص نفسه،لكن حتى إذا لم يتحقق ذلك فليس من الضروري-في رأيي- أن نبحث عن العجوز الذي لن نصل إليه، كما لن نصل إلى اسم محبوبة الشاعر!

لكن هناك أسئلة أخرى-في رأيي- تستحق الانشغال بها:

هل استطاعت اللغة أن تصنع صورة أخرى حقيقية يراها المتلقي بعينه هو، ويستدعيها، هل حركت مشاعره؟ هل حققت له معايشة صادقة أم جلبت شعورا مصطنعا متكلفا؟

في رأيي استطاع إهداء "ديوان البشارة" أن يكون مدخلا وتمهيدا مكثفا لقراءة ما بعد الإهداء المتميز..

                                                                                   (3) 

                                                                                 بين ظلين

                                                                                العنوان/ النص

في قصيدة: رقص رائع لم يكتمل

يأتي التركيب محفزا لبعض الأسئلة لدى المتلقي، بما يشبه الفجوات السردية التي تتجاوز الدلالة الظاهرة إلى محاولة فهم المسكوت عنه لدى المتلقي:

لماذا هو رقص رائع؟ ولماذا لم يكتمل!

وتشدنا "نقطة الانطلاق" هذه لتكون الخيط الأول لاستدعاء حالة النص ومحاولة تأمل دلالاته..

يبدأ النص بصورة غنائية لقلب مفعم بالحب وبلذة الانتظار،أشبه بالمجهول الذي لا يجيء،فالرقص خليط من المتعة والعذاب..

وتبرز في النص وفي الديوان كله،تقنية السرد القصصي الذي يرتكز على طرفي العملية التواصلية( المتكلم/المخاطب) وتبقى للمسكوت عنه دلالة أخرى( لها) كرمز للبحث عن وطن..وهذا مقطع من النص:

 لماذا تأخرت ؟

هل مواسم الوجد

لم يحن وقتها؟

أم بريدي لم يصل

بعد:؟

آه

مما أعانيه من فراغ

و شرخ

في حوائط روحي

لماذا تأخرت ؟

فقط لا تعتذري

خذي كفى بكفك

واتركيني

أفك ضفائرك

الداكنات

كعادتنا

قبل بضع

 سنين

وإذا قرأنا النص مع الاستعانة بالنظريات الحديثة مثل: التأويلية والتفكيكية والاتجاهات التي تأخذ النص إلى مسار بعيد عن مؤلفه، وتجرده من أية مؤثرات، فيمكن أن نقول إن النص استعان بالصورة المستقرة كثيرا في وجدان الشعراء والمتلقين، حول فكرة أن المحبوبة هي الوطن، رمزا للسكينة والذات والأنا، وهذه الرؤية لا تتجاهل في الوقت نفسه فكرة محورية الصورة التعبيرية الكلاسيكية وهي مناجاة وخطاب المحبوبة التي خيبت أمل الانتظار؛ وأماتت لحظة البعث التي طالما انتظرها الشاعر معها ولها..

وتبرز الفكرة ذاتها في نص "عائد إليك" حيث أسلوب الحوار والمناجاة، ثم فكرة أنني لم أجد ما أهديه إليك وبما يليق بقلبك سوى  قلبي فهذا ما أملكه ..ولا ينفي وجود الأفكار الكلاسيكية هذه  في الديوان أنها رُسمت لغويا كأنها تبدو جديدة أو تستحق القراءة والتأمل من جديد..

يقول الشاعر في عائد إليك:

وعائد إليك

ليس في حوزتي

سوى تمائمي

المبعثرة

وأسورة

من الحديد

جبت البحار حلوتي

فلم أجد في جوفها

وأنت اغلي لؤلؤة

فما الذي أهديك

-وفي الديوان يستوقفني كثيرا أسلوب (السرد القصصي) المرتكز على ضمير الخطاب،وأحسب أن أسلوب المناجاة يرسم حالة مختلفة عن النداء العادي يا، فكأن المخاطب قريب، حاضر لحظة كتابة النص، يسمعه بنفسه، ويعايشه مع الشاعر( ينظر: نص فوق السحاب ص ١٨)

-ونرى كذلك  (أسلوب التكرار) الذي لا يوظف لتأكيد الفكرة، الدلالة، فحسب كما تذكر بعض كتب النقد القديم والحديث أحيانا ..

ولكني أحسبه هنا، وفي نصوص أخرى لشعراء آخرين، بداية خيط لاستدعاء جديد، بداية خيط لانطلاق دفقة شعورية أخرى تعود وترجع إلى النص ذاته، وتمد القارىء بصور شعرية مكثفة، بدلالات مؤثرة في وعيه ووجدانه؛ كما في قصائد:( إتلات،فوق السحاب،عرافة القرى، حضور الغياب)

-ومن العناوين  التي تشبه (الفجوات السردية) أيضا والتي تثير شغف الوصول( أشياء طازجة كخدودها بالضبط) حيث ينتقل الشاعر بين ومضات سريعة؛ لكنها بالفعل "طازجة" وكأننا نراها لأول مرة، رغم أننا نمارسها ومارسناها كثيرا، لكن الذاكرة،ذاكرة القلب والعقل، تسترجعها هذه المرة باستمتاع، وكأنها تريد أن تتذكر هذا النسيم العابر يوما على جدرانها لأنه ترك أثرا وشذى وألقا..

-ومع لغة (السرد القصصي) أيضا ونبرة الخطاب الهادئة، نبحر مع الديوان ونتوقف عند حكاية "سامية" التي صارت رمزا لكل جمال وحياة وعمر تغيرت ملامحه وكُسرت غصونه الخضراء،وكَبُرت أعواده وتركت شرخا في القلب والروح(ينظر الديوان ص: ٢٨)

-ويمثل "التناص" تقنية مهمة في ديوان "البشارة"،ولا أعني بالتناص هنا الاستدعاء المجرد عن التفاعل والتشابك الجمالي،كما أقرأ أحيانا، فالتناص علاقة تفاعلية بين نصين أو عدة نصوص، تأخذ وتعطي، تمد يدا وتمنح النص حياة متى وظفت دون تكلف، كما نجد في نصوص:( طفلية العينين،ولد برائحة السماء،حضور الغياب،بورترية،عرافة القرى)

وعرافة القرى نص حواري يتجول في حنايا الروح فلا تملك سوى الاستماع والمعايشة حيث يقول:

عرافة القرى

عندما سألتها عن خبيئة القدر

فى صفحة الغد عن موعدي

مع النجوم والغناء

والمطر

عن مهجتي التي نزفتها

بقية من الجراح

هل مقدر لها أن

تستريح مرة

من براثن الضجر

ونتأمل (التشكيل البصري) حيث النقاط الممتدة التي أراها "لغة أخرى" وليست مجرد "علامات ترقيم" فاصلة بين مقاطع وأجزاء النص..ومع سلاسة اللغة والخطاب في هذا النص  نجد كذلك "عفوية الحلم" الذي يتشكل منه وجدان ووعي كل مواطن( عادي) لكن هذا الحلم العفوي يظل حلما رغم كل شيء..

 ولا ننسى كذلك النقاط المرافقة للفقرة هذه(………..) والتي تكمل المسكوت عنه من اللغة الملفوظة:

عرافتي

وهل سيضحك وجه

والدي الحزين

عندما أجيئه بسترة

تقيه من برودة

الشتاء

أختي التي وعدتها

بقطعتي قماش

أخي الذي في قلبه ارتعاش

يحلم لا يزال

بالرحيل والسفر

*ويؤدي التشكيل البصري دورا بارزا في نصوص الديوان، كما نرى مثلا:

              عسكري الشطرنج

              ميت

              ووزير الشطرنج

              يمووووووووووو

               ت

 وأحسب أن هذا الاجتزاء والقطع يرمز إلى أشياء كثيرة منها حالة الكتابة نفسها، الممارسة، وعي الشاعر بالتجربة،تأثير لحظة الإبداع، التعبير عن اللغة التي تظل كامنة في النفس ولا نستطيع رسمها، ولعلها نوع من المداد الذي يجسد تقطع الأنفاس المتشابكة أثناء الكتابة.

-وتلمس الحضور الواضح لنبرة الحوار أيضا بل المناجاة في قصيدة : (حضور الغياب ص ٦٧) لكنها مناجاة تحمل ضجيجا وتمردا وصخبا، ورغبة في انعتاق الروح من أسر القيد والجمود والانهزام..

ومن القصائد التي لا أستطيع تجاوزها ( أحزان عائلية)

هذا النص الذي يوظف فيه الشاعر تقنية سردية معروفة وهي( الاسترجاع) لكنه استرجاع شعري يتسلل إلى قلب المتلقي سريعا؛ ليجد نفسه معايشا ومشاركا لهذا الماضي الذي يسكن ذاكرة الزمن والقلب كذلك..فبعد أن نراه يخاطب مدينته قائلا:

(إتلاتُ يا مدينةً من/الدموع/ياسفينة بلا رجوع،ووردة من التعب) يقول( عندما كنتُ صغيرًا/لم أتم الخامسة/كان لي أم حنون/وأب أسمر/يعشق أرضه/وداره/وأخ مثلي صغير/لج باب السادسة/……..) وبعد هذا التطواف السردي لابد أن نقف قليلا في هذا الجزء التالي الذي يقول فيه:

قبل أن يسبقَ

عمري

يتخطي السادسة

صنعت أمّيَ لي

بعضَ كيسِ

الأسمدة

جعبةً

وعبّاتها :

قلما من الرّصاص

وبقايا من ورقْ

يا بُنيّ

- وأنا في حجرها -

: كن طبيبا كي

تداوى المتعبينْ

والغصون اليابسة

ويمضي النص عبر فقرات متتابعة نلمح فيها بكاء صامتا نحسه بين الكلمات والسطور،وهو بكاء قاس ذاك الذي يخلو من يد تربت على كتف صاحبه، لتأتي خاتمة القصيدة، التي اتكأت على استحضار الزمن الماضي وكأنه استرجاع للحاضر كذلك قائلا:

لم يكن أبدا مكان

الحبّ فيها

إنما الحبّ لمن ملك

الذهبّ

لم يكن أبتاه إلا

مثل قريتنا

الصغيرة

مثل قريتنا الفقيرة

حفنةً من غناء

وكثيرا من تعبْ

وكأن التعب هو العصا التي ترافق أبناء هذه الأرض وتصحب خطاهم المرهقة من البحث عن حياة..

-ومن الخطاب الذاتي الذي يطوف في حنايا الروح والإنسان والقلب والوجع والحياة، إلى أنين القدس وانتظارها لبشارة تشبه انتظار الماء في الصحراء(ينظر ديوان البشارة ص: ٩٠)..

وبعد فهذه إطلالة سريعة على ديوان البشارة التي تحمل حروفه معاناة الإنسان الكادح والصامد في وجه الريح والتعب، الذي يبحث عن حياة ووطن وأمل وحب وذات

هذا الإنسان الذي نراه في الشوارع المتعبة أيضا، وفي القرى وفي الذاكرة، وفي مرايا العابرين وفي جذور الأرض الطيبة، وفي أوراق خزانات الكتب ومداد سطورها الممزقة..

هذا المقال هو تطواف سريع، وقراءة نقدية مكثفة تتأمل

 بعض السمات والظواهر الفنية  وهو محاولة للوقوف على الملمح العام للديوان والصورة التي تشكل منها ديوان البشارة الذي ضم نصوصا متنوعة  بعضها يذكرني بالخطاب الكلاسيكي للشعر الوجداني والذاتي، الحديث،وبعضها يسبح في فضاء رحب مختلف مدهش، لكن في النهاية استمعتُ  بحروف هذا الديوان المنسوجة من مداد شعري متدفق .

* د. سحر محمود عيسى أستاذ مشارك بجامعة تبوك سابقا

مساحة إعلانية