مساحة إعلانية
ستظل الليالي العربية " ألف ليلة وليلة "ملهمة الكتاب على مر التاريخ الإنساني بما قدمته من فن قصصي وحكايات جاذبة للكبار والصغار .
وما كتب من دراسات عنها وعن تأثيرها ، ومحاكاتها , لا نستطيع حصره هنا ، أو التوقف أمام هذا المنجز الأدبي الكبير الذي قدمته الليالي زادا للكتاب ، وكتاب الرواية خصوصا على المستوى العالمي والعربي .
فكم الكتابات كبير جدا ،ومازالت المكتبة العربية والعالمية تقدم لنا المزيد من هذا المعين الذي لا ينضب ، وهذا السحر الذي يمرح بالخيال ويتدثر بالأسطورة ليقدم لنا هذا العالم الساحر الذي ينقلنا من الواقع المعيش إلى هذا الخيال الفسيح والرحب.
وتقدم لنا الكاتبة والمبدعة(سحر أحمد حسن ) ،ابنة مدينة " طهطا" ، وبالتحديد قرية "جزيرة الخزندارية" التي تتوسط نهر النيل ، والتي أنجبت من قبل شاعر الكبير الدكتور العلامة (حسن طلب) .
قدمت لنا الكتابة عملها الروائي الأول " الأرض المحرمة " الصادر عن (دار أدباء 2000) بعد مجموعة قصصية ، والرواية تغوص في هذا العالم الذي يستقي تجربته من ألف ليلة وليلة، ويواصل رسم معالمه على خطى الليالي بكل سحرها وخيالها السارح في الخرافة والغموض .
فنجد البطلة"مليكة" الفتاة التي ولدت يتيمة بعد موت أمها بعد ولادتها، وفرار والدها بها إلى قرية "حرفشاء" ،(لم تبرر هذا الفرار) وهناك يتعرف على "نعمان" صاحب محل العطارة الذي يسمع قصته ويتعاطف معه ويسكنه في منزل له بالقرية، ورغم أن والدها منعها من الخروج من المنزل إلا أنها مع الملل والرتابة خالفت أوامر والدها وخرجت تتجول في شوارع القرية حتى وصلت إلى بحيرة "عجيبة" وهي اسم على مسمى فقد كانت تختفي منها المياه أول ثلاثة ليال من الأشهر القمرية ، وقفت أمام البحيرة مشدوهة تتأملها ، ولاحظت في مكان ما حركة دائرية لافتة ، فعلمت مكان هذه الدوامة بعد أن تأكدت بأنها تبتلع ما يقترب منها ، وعادت قبل رجوع والدها وبداخلها إصرار على العودة لمعرفة ما يحدث في هذه العجيبة .
ولكن والدها يكتشف ذهابها إلى البحيرة ، بعد أن نبهه رجال القرية، فيحزنه ذلك ، ويعود للبيت ليقول لها لقد خطبك شاب ويريد الزواج منك في محاولة لإلهائها، فتنصاع لأمره ولا ترد طلبه ،ويحتار الوالد كيف يخرج من هذا المأزق ؟ ، ولكن يفاجئ بشاب يزوره في مقر عمله ويخبره إنه يريد أن يتزوج ابنته ، ويتعجب الوالد من أمر الفتي ، ولكنه يوافق على الفور ، ويأتيه "نعمان" صديقه في الحلم ليؤكد له هذا الزواج ، وعندما يذهب والد الفتاة لمنزل أهل العريس ويقابل والدته وهو يتجول في شقة الزوجية يشاهد صورة نعمان صديقه على الحائط ، ليكتشف أن العريس "مالك " ابن صديقه ، ويتزوج مالك من مليكة ، وبعد عدة أشهر يراود مليكة أمر البحيرة ، وهناك أيضا صندوق في منزل والدها تريد أن تعرف سره وما بداخله ، فتطلب من زوجها زيارة والدها ، فيرحب ، وتذهب إلى القرية وفي نفس اليوم يرحل والدها ويفارق الحياة ، وتتبدل مليكة وترفض العودة للمدينة في بيت زوجها وتطلب منه أن يسكن معها ، وأمام إصراراها وموافقة والدته يعيش معها وتكشف له أمر البحيرة والصندوق، وتطلب منه مساعدتها في حل اللغز ، فيوافق ، ويفشلا في فتح الصندوق، ولكن يشاهدا رمز عصا على الصندوق فيتذكر إنه شاهده في يد عجوز قابلها في القرية، وتتعرف عليها فقد قابلتها، وتطلب من العجوز مساعدتها في فتح الصندوق ،وتعلم من العجوز إنها كانت زوجة نعمان وتفاجئ إن بداخل الصندوق مجرد رسالة تحذرها من الاقتراب من البحيرة ، فقد حاول من قبل فك اللغز وعلم إن هناك كنز مرصود من يقترب منه تخرج المياه من باطن الأرض كالطوفان، وبالفعل أغرق الطوفان القرية بأكملها ولم ينج منها إلا هو زوجته العجوز . وتنتهي الرواية بهذه الرسالة .
هذا مجمل القصة ، التي قسمتها الروائية لعدة فصول قصيرة جدا ، وقامت بدور الراوي العليم الذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا وضحتها ، وهي تطرح الأٍسئلة في نهاية كل فصل ،وتشرح بإسهاب كل صغيرة وكبيرة ولا تترك للقارئ إلا الجري وراء الأحداث التي نجحت فيه الراوية العليمة أن تحقق للقارئ المتعة وينغمس وهو يلهث وراء الأحداث لا يتوقف حتى ينهي هذه الرواية القصيرة التي تشربت من الليالي العربية .
استطاعت الكاتبة من خلال حبكة محكمة نوعا ما أن تسيطر على البناء الروائي للحدوتة ، وتضفرها بعنصر التشويق الذي يتوغل عبر البناء الروائي في صيغة أسئلة تطرحها الراوية العليمة وتجيب عليها بعد ذلك دون أن تخل بالعمل الروائي .
الرواية رغم بساطتها في السرد ، إلا أن البناء المحكم وعنصر التشويق الذي اعتمد عليه البناء الروائي جعلنا أمام رواية ماتعة ، وممتعة ، نغوص في عمقها في جلسة واحدة ونعيش أجواء ألف ليلة وليلة بكل ما فيها من سحر وغموض .
إنه العمل الأول للكاتبة التي تمتلك الأدوات والموهبة ، وتمتلك درة شهر زاد على الإبهار بالحكاية .