مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : مَشاهِدُ مُثِيرة للدَّهَشة... بقلم الطيب أديب

2026-03-13 08:52 PM  - 
قصة قصيرة : مَشاهِدُ مُثِيرة للدَّهَشة... بقلم الطيب أديب
الكاتب الروائي الطيب أديب
منبر

                  ( 1) 

 كنت طفلا في المدرسة  الابتدائية عندما رجع جارنا "جعلوص" بملابسه العسكرية مرفوع الرأس بعد حرب السادس من أكتوبر 1973م. واستقبله أهل قريته بالطبل والزغاريد .وعندما أنهى خدمته العسكرية ترك مزرعة والده الصغيرة ،وسافر خارج البلاد،مرة للسعودية وثانية للعراق، وثالثة للأردن حتى استقر به المقام في ليبيا، التي عمل بها أطول أيام غربته. ورغم أنه كان يجيد الزراعة إلا أنه كان ماهرا في البناء. ولم يحصل الحاج جعلوص  على مؤهلات علمية غير أنه كان يقرأ ويكتب ،ويتابع الصحف والإذاعات والقنوات التيفزيونية الإخبارية. وأثقلته الجندية وسفرياته في الغربة حنكة بأمور الحياة و السياسة ،وفهم ما يدور حوله.

(  2 )

التقيته مرة فسألته: هل تعرف معنى اسم جعلوص؟ قال لي:   لأنه لم  يعش له ولد سماني  أبي -رحمه الله- جعلوص لأعيش وليمنع عني الحسد مثل أقراني في البلدة الذين سماهم أباؤهم : حنش وخربيطة وحرامي وأتلة وغير ذلك من أسماء ،ولكن هل عندك  تفسير لمعنى اسم "جعلوص"؟

قلت: عاشت العرب قديما  في بيئة صحراوية قاسية فكانت تسمي أولادها جبل وبحر وصخر وجمل وذئيب و كليب وسيف لتمنحهم بعض القوة والمهابة،ولتمنع عنهم الحسد .!

وأما جعلوص فأعتقد أنه تصغير لاسم "جُعل" وهو "الجُعْرَان" الذي قدسه الفراعنة قديما لاعتقادهم بأنه مخلوق  يقاوم ظروف الحياة القاسية ليعيش، ويرمز للصبر والحياة السعيدة.! وصمموا له تماثيل صغيرة يستخدمونها كأدوات زينة في حليهم وأدواتهم أو كتماثيل كبيرة في معابدهم ! تبسم  الحاج جعلوص كعادته قائلا : وهل تعتقد أني  "جعلوص"  أجلب السعادة وأنفع للزينة؟ ضحكت قائلا: أنت من يومك وش السعد و زين الرجال يا صديقي.!

              (3)

كنت أنتظر عودته من الغربة ليحكي لي عن أحوال هذه البلاد التي يسافر إليها، واستمتع بقفشاته وردوده السريعة المسكنة.وذات يوم وبينما يمر بشارعنا في طريقه لبيته، لمحني أفتح باب بيتي أحمل أنبوبة البوتاجاز لأغيرها  من بائع الأنابيب السيار فقال لي :  تعبنا من تغيير الأنابيب وأزماتها التي لا تنته .!

ضحكت قائلا :  مصر يا صديقي فيها عجز شديد  في غاز البوتاجاز ،وتستورده من الخارج، فضحك ساخرا وسألني: المية (الماء) في النيل كتيرة ولا قليلة؟ جاوبته، ما أكثرها.! فقال: ليه المية مش واصلة بيوتنا؟

(  4  )

عندما اندلعت شرارة ثورة 25 يناير عام 2011م أسرعت مسافرا  لميدان التحرير مشاركا في الثورة . وكان الحاج  جعلوص حينذاك يعمل  بناء في ليبيا. وكان من المؤيدين المتحمسين للثورة ، ويلتف مع المصريين والتوانسة والمغاربة والسوريين خلسة حول جهاز  التلفاز ، يتابعون أحداث الثورة من خلال قناة الجزيرة والقنوات الإخبارية المحظورة هناك . وبعد بيان التنحي، كبر وهلل الحاج جعلوص ومعظم المصريين والعرب فرحين،بينما خيم الحزن على  بعض الوجوه لرحيل الرئيس. ووقف أحد المصريين  زاعقا في وجه الحاج جعلوص يسأله: كنت فين لما الريس مبارك كان يقود الطيران ، ويضرب في العدو من فوق ؟ فرد عليه مسرعا: كنت أنا أعبر القناة تحته مع طليعة المشاة ، وكان هو في الجو. هو أصبح  رئيسا للبلاد ، وأنا سافرت عاملا في البلاد العربية.!

( 5 )

اشتعلت شرارة الثورة الليبية ، واندلعت معارك دامية بين الثوار والقوات الموالية لنظام العقيد معمر القذافي، وتوقفت الحياة. فرجع الحاج جعلوص لبلدته يمارس مهنته القديمة. يزرع قراريط أرضه التي ورثها عن أبيه بالبصل والثوم والبامية والكرنب والخضروات، يهادي جيرانه منها ،ويبيع منها لأهل القرية بأثمان رخيصة. وكان مبتسما كعادته ويمزح مع كبار القرية وأطفالها. وحتى عند موته في المستشفى رحل  مبتسما.وشيعه أهل القرية حزانى يترحمون عليه، وبكاه الأطفال بحرقة).

*من مجموعة مشاهد مثيرة للدهشة للطيب أديب الصادرة عن دار الأدهم للنشر والتوزيع

مساحة إعلانية