مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قلمي يُحدّثني ... بقلم : ياسر نبيل

2025-10-09 07:27 PM  - 
قلمي يُحدّثني ... بقلم : ياسر نبيل
صورة تعبيرية
منبر

قلمي رفيقي الذي جاورني أعوامًا طويلة، أصبح صامتًا الآن. صمته اليوم ليس هدوءًا، بل أنينًا مكتومًا، يخرج من أنبوبته حبرًا باهتًا كألوان الذكريات.

 وضعته جانبًا بعد يوم عملٍ طويل، وإذ به ينتفض في يدي كأنه كائن حي، يُلقي عليّ شكواه وهمومه بصوت مرتجف.

قال القلم همسًا:

"أتعرِفني يا صاحبي؟

أنا الذي ارتعشت وامتلأتُ حماسةً وأنا أخطّ خطابات النصر في صفحات التاريخ.

أنا من حكى عن عبور الأبطال، وعن الإنجازات والفتوحات، وعن أحلام جيلٍ كاملٍ كان يرى السماء سقفًا لطموحه.

كنتُ رسول المجد، وشاهدًا على كل بناءٍ شاهق خطّته يدٌ مصرية آمنت بقوتها.

كان حبري يفوح بعبق الكرامة والوطنية الصادقة."

تنهد القلم تنهيدةً طويلة كأنها نفادٌ للحبر، ثم تابع بمرارة:

"ولكن انظر إليّ الآن! بعد كل ذلك العز، أصبحتُ اليوم أداةً مطيعةً لأمورٍ لا ترقى حتى لمستوى هامشٍ في دفترٍ قديم.

أصبح حبري الآن يوقّع على وثائق عابرةٍ وأوراقٍ مشبوهة، عقودِ زواجٍ عُرفيّةٍ سريعة، كأنها محاولةٌ يائسةٌ لتسجيل علاقةٍ لا تقوى على مواجهة النور.

أصبحتُ خبيرًا في تدوين الأوهام وتوثيق الخفاء."

سكتُّ قليلًا أستوعب مرارة حديثه وألمه.

لم يكن القلم يشكو من وظيفته، بل من محتوى تلك الوظيفة.

إنه يبكي تحوّل الرسالة من ملحمةٍ وطنيةٍ كبرى إلى حكاياتٍ فرديةٍ صغيرة، بعضها هشّ ومحفوفٌ بالشبهة.

القلم لم يتغيّر، لكن اليد التي تمسكه، والغاية التي من أجلها يُستخدم، قد تبدّلتا.

تناولتُ القلم وربّتُّ عليه برفق، قائلًا:

"يا صديقي، الحبر هو الحبر، وتبقى قيمة القلم في صدقه، لا في نوع الورق الذي يلامسه، ولا في نوع الرسالة التي يُدوّنها.

إن كان لا يدوّن الانتصارات اليوم، فليكن شاهدًا على الحقيقة.

ولعلّ هذه العقود الهشّة التي تؤلمك اليوم، هي نفسها التي ستوقظ فينا الحاجة للعودة إلى المجد الذي اعتدتَ تدوينه.

لا تفقد الأمل، وعندما يعود المجد، ستكون أنت أول من يُدوّن عودته، وأول من يُعلن الحقيقة."

مساحة إعلانية