مساحة إعلانية
لَا أُشْبِهُ أَحَدًا...
كُلَّمَا حَاوَلُوا أَنْ يَضَعُونِي
فِي قَفَصِ التَّعْرِيفَاتِ الضَّيِّقَةِ،
أَفْلَتُّ مِنْ أَيْدِيهِمْ
كَمَا يُفْلِتُ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ.
أَنَا لَسْتُ مِرْآةً
تَعْكِسُ وُجُوهَ الْآخَرِينَ،
وَلَا ظِلًّا
يَتْبَعُ خُطَى الْقَطِيعِ.
أَنَا الطَّرِيقُ
حِينَ يَضِيقُ الطَّرِيقُ،
وَالسُّؤَالُ
حِينَ تَنَامُ الْإِجَابَاتُ
فِي حِضْنِ الْيَقِينِ الْكَاذِبِ.
أَمْشِي وَحِيدًا أَحْيَانًا،
لَا لِأَنَّ الْوَحْدَةَ قَدَرِي،
بَلْ لِأَنَّ الزِّحَامَ
لَا يَمْنَحُ الرُّوحَ دَائِمًا
مَا تَسْتَحِقُّ مِنِ اتِّسَاعٍ.
أَعْرِفُ وُجُوهًا كَثِيرَةً،
لَكِنَّنِي لَا أَفْتَحُ أَبْوَابَ قَلْبِي
إِلَّا لِمَنْ يُشْبِهُ الضَّوْءَ
فِي زَمَنِ الْعَتَمَةِ.
فَقَلْبِي لَيْسَ نُزُلًا لِلْعَابِرِينَ،
وَلَا مَحَطَّةً مُؤَقَّتَةً
لِمَنْ يُجِيدُونَ الرَّحِيلَ.
لَقَدْ تَعِبْتُ
مِنْ جَمْعِ الشَّظَايَا
الَّتِي تَرَكَهَا الْآخَرُونَ خَلْفَهُمْ،
وَتَعِبْتُ
مِنْ تَرْمِيمِ النَّوَافِذِ
الَّتِي كَسَرَتْهَا الرِّيَاحُ.
لِذَلِكَ بَنَيْتُ دَاخِلِي
بَيْتًا مِنَ الصَّبْرِ،
وَسَقَّفْتُهُ بِالْكِبْرِيَاءِ،
وَزَرَعْتُ حَوْلَهُ أَشْجَارًا
لَا يَدْخُلُ مِنْ بَيْنِهَا
إِلَّا الصَّادِقُونَ.
يَقُولُونَ:
إِنَّنِي غَامِضٌ.
وَكَيْفَ أَشْرَحُ لَهُمْ
أَنَّ الْبَحْرَ لَا يَعْتَذِرُ
لِأَنَّهُ عَمِيقٌ؟
وَأَنَّ النُّجُومَ
لَا تَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ
كَيْ تُثْبِتَ وُجُودَهَا؟
وَيَقُولُونَ:
إِنَّنِي مُتَعَالٍ.
وَمَا التَّكَبُّرُ
إِلَّا وَجْهٌ آخَرُ لِلضَّعْفِ،
أَمَّا أَنَا
فَأَعْرِفُ قِيمَتِي
وَلَا أُسَاوِمُ عَلَيْهَا.
لَمْ أَتَعَلَّمِ الْاِنْحِنَاءَ
إِلَّا لِلَّهِ،
وَلَمْ أَتَعَلَّمِ التَّصْفِيقَ
لِمَا لَا أُؤْمِنُ بِهِ.
أَنَا ابْنُ تِلْكَ الْهَزَائِمِ
الَّتِي مَرَّتْ فَوْقَ قَلْبِي
ثُمَّ رَحَلَتْ،
وَتَرَكْتَنِي أَصْلَبَ مِمَّا كُنْتُ.
وَابْنُ تِلْكَ الْخَيْبَاتِ
الَّتِي كَسَرَتْ نَافِذَتِي،
فَفَتَحْتُ بَدَلًا مِنْهَا
أَلْفَ نَافِذَةٍ عَلَى السَّمَاءِ.
كَمْ مَرَّةً
سَقَطْتُ؟
لَا أَذْكُرُ.
لَكِنَّنِي أَذْكُرُ جَيِّدًا
أَنَّنِي كُنْتُ أَنْهَضُ
فِي كُلِّ مَرَّةٍ
بِوَجْهٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا،
وَرُوحٍ أَكْثَرَ مَعْرِفَةً.
فَالِانْكِسَارُ
لَمْ يَكُنْ يَوْمًا نِهَايَتِي،
بَلْ كَانَ مُعَلِّمِي السِّرِّيَّ
الَّذِي لَقَّنَنِي
كَيْفَ أَتَمَاسَكُ
حِينَ يَتَهَاوَى كُلُّ شَيْءٍ.
أَنَا لَا أَطْلُبُ مَكَانًا
فِي ذَاكِرَةِ الْجَمِيعِ.
يَكْفِينِي أَنْ أَبْقَى
وَفِيًّا لِمَلَامِحِي الْأُولَى،
لِلطِّفْلِ الَّذِي كَانَ يَحْلُمُ
دُونَ خَوْفٍ،
وَلِلرَّجُلِ الَّذِي تَعَلَّمَ
أَنْ يَحْرُسَ حُلْمَهُ
مِنْ ضَجِيجِ الْعَالَمِ.
لَا أُشْبِهُ أَحَدًا...
لِهَذَا لَا يَفْهَمُنِي كَثِيرُونَ.
وَلَا بَأْسَ.
فَالْأَشْجَارُ الْعَالِيَةُ
تُرَى مِنْ بَعِيدٍ،
لَكِنَّهَا لَا تَشْرَحُ لِأَحَدٍ
كَيْفَ بَلَغَتْ هَذَا الْعُلُوَّ.
وَالْأَنْهَارُ الْعَمِيقَةُ
لَا تَتَوَقَّفُ
لِتُخْبِرَ الْمَارَّةَ
عَنْ أَسْرَارِ مَنْبَعِهَا.
وَأَنَا...
لَنْ أَشْرَحَ نَفْسِي كَثِيرًا.
فَبَعْضُ الْأَرْوَاحِ
لَا تُقْرَأُ بِالْكَلِمَاتِ،
بَلْ تُعْرَفُ
مِنْ أَثَرِهَا فِي الْقُلُوبِ،
وَمِنْ ذَلِكَ الصَّمْتِ النَّبِيلِ
الَّذِي يَسْبِقُ حُضُورَهَا،
وَيَبْقَى...
بَعْدَ رَحِيلِهَا.