مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

نوستالجيا الفقد في مضمون قصيدة "ماءٌ معلّبٌ في سدّ" لعمر الخفاجي

2025-11-21 05:01 AM  - 
نوستالجيا الفقد في مضمون قصيدة "ماءٌ معلّبٌ في سدّ" لعمر الخفاجي
الدكتور صالح الطائي
منبر


دراسة نقدية شاملة ..  الدكتور صالح الطائي
يبدو أن قصيدة عمر الخفاجي "ماءٌ مُعلّبٌ في سد" لا تُقرأ كعملٍ شعريٍّ منفصلٍ عن سياقاته الكبرى، ولا كحالة وجدانية لشاعر يعبر عن لحظة ذاتية مغلقة، وإنما أراها تتجلى بوصفها سجلا نوستالجيا مأساويا لهوية مائية مهدَّدةٌ بالانقراض. فالنوستالجيا التي تشي بها القصيدة ليست مجرد غصة حنين إلى الماضي، وإنما هي ذلك الوجع الأنطولوجي الذي يولده إدراكٌ مريرٌ بأن الزمن الذي كان يمنح المعنى قد انكسر، وأن الذاكرة مهما اشتدت كثافتها لا تمتلك القدرة على استعادة ما فُقد فعلا. إنها نوستالجيا معذبة، لا تستعيد الماضي إلا لتكشف هشاشته، ولا تستحضر صور النهرين إلا لتشير إلى المسافة القاسية بين جلالهما القديم وانكسارهما المعاصر، وهو انكسار يوجع النفس ويهدد الوجود الفعلي لبلد أسمه "أرض الرافدين". وهي بهذا المعنى تتحول إلى مختبر للهوية العراقية في أكثر مستوياتها عمقا؛ فالنهران ليسا عنصرين جغرافيين فحسب، وإنما هما ركيزتان ميثولوجيتان شكلتا على مدى آلاف السنين "الأنا" الجمعية لسكان وادي الرافدين؛ الذي تفرعت منه "أنا" العالم كله. 
إن صورة دجلة والفرات هنا تُستعاد بوصفها ذاكرة مكانية وروحية، وكأن الشاعر عمر الخفاجي أراد أن يعيد عبرهما تشكيل الخرائط الأولى للوعي العراقي، خرائط تصنعها المياه أكثر مما تصنعها الحروب، وتصوغها الأسطورة التاريخية الخالدة قبل أن تفسدها السياسة. والذي أراه أن في هذا الاستدعاء تكمن قوة النص، فهو لا يحن إلى النهرين بوصفهما منظراً طبيعياً، وإنما يتعامل معهما كجسدٍ حضاري يشيخ ويذبل، وكهويةٍ كانت في يوم من الأيام أكثر رسوخا من حدود الدول وأكثر ثراء من أيديولوجيا المتصارعين.
النوستالجيا هنا تتحول إلى أداة نقدية، إذ تكشف عن المسافة بين الذات الجماعية وما تبَّقى من مرجعياتها الرمزية. فاستعادة الأنهار ليست مجرد فعل تأملي، بقدر كونها فعل مقاومة رمزية في وجه حاضرٍ مضطربٍ أضاع صوته الداخلي. فالماضي الذي تستحضره القصيدة ليس زمنا مثاليا بقدر ما هو معيار للحكم على العطب الراهن؛ إنه ماضٍ مُعاد إنتاجه لقياس مقدار الانهيار الحاصل اليوم. وبذلك يصبح النص قراءةً مجازية لتاريخ العراق الحديث، حيث تُختصر التحولات السياسية والاجتماعية في صورة نهرين خجلين، كما لو أن الخجل نفسه علامة على انكسار الروح الوطنية في ظل صراعاتٍ أنتجت تصدعاتٍ عميقة في الهوية الجمعية، بل حتى في الهويات الفرعية.!
وإذ تنفتح القصيدة على الأسطورة والميثولوجيا والدين والسياسة، فإنها تضع دجلة والفرات في فضاء سردي يتجاوز الجغرافيا، ليتحولا من مجرد نهرين إلى استعارة كبرى عن الأبوة الحضارية والذاكرة الأولى. ومن خلال هذا الاشتغال الرمزي، اتخذ النص بعدا فلسفيا وجوديا، فالشاعر الخفاجي في قصيدته هذه لا يسعى إلى وصف واقعٍ مائي متدهور بسبب الجبن والمحاباة والإهمال والانشغال بحروب عبثية أنهكت البلاد والعباد فحسب، وإنما يبحث عن معنى وجوديا أعمق، وربما يبحث عن إجابة سؤال مفاده: ماذا يحدث للإنسان حين تذبل رموزه المركزية؟ وماذا يتبقى من الهوية حين يفقد النهران قدرتهما على منح العالم شكلا ومعنى؟
من هنا، تتحول القصيدة إلى مرثية حضارية، لا تبكي ما مضى بقدر ما تكشف عن اتساع الفجوة بين أصلٍ كان يفيض حياة ونماء وتطورا وخيرا، وبين حاضرٍ تبدو فيه الهوية نفسها مهددة بالجفاف واليباس المخجل. إنها قصيدةٌ تتحدث عن النهرين، لكنها في الجوهر تتحدث عن العراق بوصفه كيانا يعيش تنازعا بين طبقات الزمن، حيث الماضي الغائر في عمق التاريخ الإنساني والمثقل بالمعنى، يضغط على حاضرٍ يتآكل وينهار، وحيث النوستالجيا تتحول من حسرة إلى صيغة من صيغ الإدراك العميق لأزمة الوجود.
إنها قصيدة كتبت لتُخلِّد سيرة الماء كما لو أنه كائن حي مثل جميع الأحياء الأخرى، يشيخ وينحني ويُذَل ويُحاصر بل ويُقتل ايضا. وهذا الرمز والمجاز هو في جوهره سيرة العراق نفسه. ولعل هذا التماهي هو ما يمنح النص قوة وجدانية وفكرية تقودنا نحو إدراك ما وراء الصمت الإيحائي.
ليس هذا فحسب فعنوان القصيدة ذاته نص موازٍ مكثف يحمل بنية دلالية معقدة، فالـ "ماء": رمز الحياة والذاكرة والوجود والتاريخ. والـ "مُعلّب": انتقال من الطبيعة إلى الاصطناع، ومن الحرية إلى الاحتجاز. والـ "سد": ذروة القيد والتحكم السياسي بالجغرافيا. من هنا حول العنوان الماء من فيض قدم السنين إلى مجرد سلعة محاصرة. وهذا التحول فتح كل أبواب التأويل السياسي والبيئي والرمزي والهوياتي أيضا، فهو عنوان يسائل بخجل المهزومين قسرا: هل يمكن وضع التاريخ في علبة؟ هل يمكن اختزال وطن في سد؟ هل يمكن تقييد نهر وذاكرة شعب؟ ولكنه لا يجيب عنها، فهو ترك الجواب لأولي الأمر الذين شغلتهم مصالحهم عن سماع أنين النهرين المحتضرين.
أما من حيث البنية السردية الشعرية فالقصيدة تبدو ليست مجرد خطاب غنائي، بقدر كونها مَبنى سرديا يخبرنا أن ثمة قصة تُروى عن طفولة الجبال، ونزول الماء آيةً مكسورة، وشيخوخة دجلة، وبحث الفرات عن معشوقته، واللقاء الأخير في شط العرب، وظهور قابيل الجديد، وانكسار النهر، والعودة في الحلم فقط. وهي حركة سردية تُنشئ ملحمة صغيرة لا تختلف من حيث البنية الرمزية عن ملحمة جلجامش أو قصة الخلق في كثير من الثقافات. وهذا يعني أننا نقف اليوم أمام أسطرة جديدة للنهرين.
ولأن الشاعر الخفاجي عالج موضوع الماء في قصيدته هذه، فهو جعل الزمن يتحرك من الأزل إلى الآن، ثم إلى المنفى الأبدي، وهذا بحد ذاته تصعيد درامي هائل. فضلا عن ذلك انشغلت القصيدة بتناصات عديدة وواضحة، ففي التناص الديني تجد: آية مكسورة.. كصلاة أخرى لم تُكتب بعد.. كأس نبيّ تُرك على مائدة الغياب.. قابيل جديد.. يوم كربلاء. وقد منح هذا الحضور القصيدة معجما مقدسا رفع قيمة الماء إلى مستوى نص ديني وطقس روحي.
وجاء الماء في التناص الميثولوجي بوصفه أصل الخلق، كما هو في ملحمة جلجامش، وكما هو في أساطير بلاد الرافدين، حيث الماء هو الأم الكبرى.
وفي التناص السياسي، ولاسيما عبارات مثل: البغاء صار سياسة.. سيُسجن الحلم في سد من ورق، منحت القصيدة بُعدا احتجاجيا، وتحويلا للماء من رمز مقدس إلى رمز مستباح.
أما في البعد الأنثروبولوجي والهوياتي فقد جاء النهر بوصفه كائنا بشريا، فدجلة والفرات كما لو أنهما: يشيخان.. يتعبان.. يتعاتبان.. يلتقيان ويهجُران.. يحلمان.. يُنتهكان
هذا التأنسن هو ما جعل القصيدة تُقرأ كسيرة إنسانية أكثر من كونها سيرة نهرية. وهذا يشكل بعدا هوياتيا للعراقي الذي يرى وطنه يذبل مثل شيخ تم تقييد روحه. والتأنسن المقصود ليس مجرد تشخيص بسيط، وإنما هو ما منح النهر باعتباره كيانا طبيعيا صفاتا إنسانية كاملة مثل: التفكير والمشاعر والذاكرة والمعاناة، لتحويل سيرته إلى قصة إنسانية يمكن للقارئ أن يتعاطف معها بشكل أعمق. ولتتحول سيرته إلى سيرة إنسانية أكثر من كونها سيرة نهرية، فالقصيدة تتوقف عن كونها وصفا جغرافيا أو تاريخيا لنهر، لتصبح قصة حب وفقدان وألم وكرامة مهدورة. فالنهر هنا هو إنسانٌ له ماضٍ مجيد وحاضر مُذل للأسف. وهي إشارة إلى أن هذه العلاقة مع النهر ليست مجرد صورة أدبية، بقدر كونها جزء من تكوين الهوية العراقية الجماعية. فالنهر في إشارة إلى (دجلة والفرات) ليس مجرد ماء يجري، وإنما هو شريان الحياة، وهو رمز للبلاد نفسها. وعندما يذبل النهر، تذبل معه روح العراق مثل شيخ تم تقييد روحه، فالذبول إشارة إلى فقدان القوة، فقدان الحيوية، وفقدان الخصوبة والشباب. وهو عكس ما يجب أن يكون عليه النهر كمنبع الحياة ارتبط بتاريخ العراق وشعبه لمئات القرون. و"شيخ" صورة للضعف بعد العطاء، وللهيبة التي فقدت نفوذها، وللحكمة التي لم يعد أحد يستمع لها.
أما صورة "تم تقييد روحه"، فهي القمة التراجيدية، فالتقييد ليس مجرد إضعاف، وإنما هو سلب للإرادة والحرية والجوهر. وهو يشير إلى أن الاحتلال أو الحروب أو الدمار كلها أسهمت في الاستلاب. والتقييد لم ينهك جسد العراق فحسب وإنما قيد روحه وصادر هويتها العريقة.
أما عنوان القصيدة فبرأيي أن ما قدمه كان اختزالا لعلاقة أبدية في الشعر العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام، فالوطن كجسد، والنهر كروح هذا الجسد. وعندما يُهان النهر ويُحاصر ويجف، فإنه ليس مجرد كارثة بيئية فحسب، وإنما هي مأساة وجودية للعراقي الذي يشاهد روح وطنه تختنق أمام عينيه وهو لا حول له ولا قوة، وكل الذي يبديه مجرد اعتراض سرعان مع يجف مع جفاف النهر نفسه. كما أني أرى أن هذا التوصيف جعل القصيدة أكثر من عمل فني؛ جعلها صرخة وجودية، ونوعا من الرثاء للذات الجماعية التي تتعرض للتمزق. 
ومن الملاحظات المهمة التي تجلب الانتباه في هذا النص أن الشاعر الخفاجي أنَّثَ "دجلة" في عدة مواضع من النص، بينما جعل "الفرات" ذكرا يفتش عنها. وهذا يُعيد إنتاج العلاقة المقدسة بين الذكر والأنثى عبر الماء، كما في أساطير بابل حيث يلتقي أبسو وتيامات لتنشأ من لقائهما الخليقة. ومن هنا يظهر اللقاء في قرنة شط العرب ليس التقاء نهرين، وإنما هو طقس زواج أسطوري. أما الانفصال في آخر النص، فهو طلاق كوني فرضته السياسة والطمع والحروب. وأرى أن تأنيث دجلة وتذكير الفرات لم يكن مجرد مسألة نحوية، وإنما هو إعادة إنتاج لنظام رمزي مقدس. فبجعله دجلة أنثى والفرات ذكرا، ربط الشاعر القصيدة مباشرة بالذاكرة الأسطورية للبلاد، حيث الخلق نفسه يبدأ من اتحاد الذكر والأنثى عند التقاء الماء العذب والماء المالح، وهي العلاقة المقدسة بين الذكر والأنثى عبر الماء في أساطير بابل، وهي الجذور التي تضع القصيدة في إطارها الحقيقي. فالشاعر بذكره "أبسو" إله المياه العذبة البدائية، و"تيامات" إلهة البحر المالح، ربط بين أبعاد الأسطورة التأسيسية، حيث يختلط الماء العذب بالمالح لخلق العالم.
أما من حيث الواقع الجغرافي ففي التقاء دجلة والفرات في شط العرب تحول جعل من الجغرافيا لاهوتا مكانيا. فشط العرب ليس التقاء نهرين فحسب وإنما هو طقس زواج أسطوري، وهذه هي الذروة الشعرية للفكرة، حيث حول الشاعر نقطة الالتقاء الجغرافي من حدث فيزيائي إلى طقس ديني، ومراسم مقدسة، وعرس كوني من خلال اتحاد يضمن استمرار دورة الحياة والخصب. فشط العرب وفق هذه الرؤية، هو فراش الزواج المقدس للعراق، والماء هو بركته.
أما الانفصال فهو طلاق كوني فرضته السياسة والطمع والحروب العبثية التي أضعفت العراق. وإذا كان اللقاء هو الزواج الأسطوري، فالانفصال لا يمكن أن يكون مجرد جفاف، وإنما هو بكل حق طلاق كوني يجيء كانكسار للنظام الطبيعي والأبدي، فرضته السياسة والطمع والرعونة السياسية. وهنا تكمن المأساة. فهو لم يكن انفصالا طبيعيا، وإنما كان تدنيسا للمقدس. لأن القوى البشرية التافهة من السياسة إلى الطمع والخيانة والتقاتل من أجل المناصب، قامت كلها بفصل ما جمعه الكون والأساطير.
كل هذا الغنى الفكري للصور البلاغية في القصيدة، يلهمنا عند قيامنا بعملية التحليل البلاغي والصوري لنكتشف أنها قصيدة غنية بصور مبتكرة، من صورة الجبل الطفل: "حين كان الجبل طفلا يجيد النطق بالحجارة"، تلك الصورة التي خلقت مجازا زمنيا خرافيا ربط النشأة الأولى ببراءة الكون. إلى صورة هرم دجلة: "لكنَّ الشيب كثَّ في رأس دجلة"، وهي صورة تنم عن رؤية تحويل النهر إلى رجل يشيخ يكثف الإحساس بالأفول. إلى صورة انكسار النهر ككأس نبي: "وانكسر النهر ككأس نبي"، فهي الأخرى صورة مبهرة تجمع بين الطهر والكسر، وبين القداسة والخذلان. وصولا إلى صورة النهرين كعاشقين في المنفى التي وردت في مشهد الختام والتي هي من أجمل مقاطع القصيدة، لأن الشاعر حوّلَ القدر السياسي إلى منفى عاطفي أبدي.
وفي القصيدة غنى آخر جاء من خلال اعتمادها على موسيقى داخلية عالية للكلمات في التوازي: تسابقا..  تعاتبا.. تباعدا، وفي التكرار: بكت.. وبكت، وفي الجناس: النقاء.. كربلاء، وفي الانزياح الصوتي: قالت.. هيهات.. انحنت. فهذه الأدوات عوضت غياب الوزن الخليلي، وأسست إيقاعا حداثيا متماسكا.
أما في البعد الدرامي فقد رسمت القصيدة الماء بوصفه بطلا مأساويا، فالنهر ظهر في القصيدة بطلا تراجيديا خضع للمنفى والخذلان والقتل الرمزي. حيث الحركة الدرامية كانت واضحة في الولادة.. الفتوة.. الحب واللقاء.. الخيانة.. الإنسان..  السياسة.. السقوط.. المنفى. فهذه بمجموعها دراما كاملة، أشبه ما تكون بمسرحية من فصل واحد يؤدي فيها الماء كل الأدوار.
وتعطينا القراءة السيميائية للقصيدة فكرة أن النص الشعري بشكل عام هو منظومة علامات لا تُقرأ بوصفها ألفاظا فقط، وإنما بوصفها شبكة دلالية تتفاعل فيها الرموز والصور والعلاقات والعكس والتضاد والتوازي لتنتج معنى متعدد الطبقات. ففي هذه القصيدة أصبح الماء والجبل والنهران والسد وكربلاء والسماء والمحبوبة علامات مركزية تحكم الحقول الدلالية، وتعيد تشكيل بنيتها الرمزية. فالماء فيها ليس علامة بسيطة تشير إلى السائل أو النهر ذلك لأنه تحول إلى مجموعة علامات منها العلامة الدلالية حيث ماء تساوي حياة. والعلامة السياسية حيث ماء يساوي محاصر.. مسروق.. محتجز. والعلامة الهوياتية حيث ماء يساوي العراق نفسه. والعلامة الروحية حيث ماء يساوي صلاة.. آية.. بكاء. والعلامة الأسطورية حيث ماء يساوي بداية الكون. فالماء في القصيدة خرج من دلالته الطبيعية ليصبح ميتاسيمياء، أي علامة تتجاوز معناها لتفسر علامات أخرى، والميتاسيمياء علم فوق سيميائي يدرس كيف تعمل الأنظمة السيميائية نفسها، أي كيف تُنتج الرموزُ معانيها، وكيف تفسر السيميائياتُ العلاماتِ والرموز داخل إطار أعلى، وهي تدرس الطريقة التي ندرس بها العلامات، أي سيمياء السيمياء، أي بمعنى أكثر تخصصية تحليل منهج التحليل نفسه، ووظيفتها الأساسية كشف الطبقات الخفية في إنتاج المعنى، وتعرية السلطات الرمزية مثل: الدين، السياسة، الخطاب الإعلامي، وفهم كيف تعمل الأيديولوجيا داخل اللغة والصورة والسرد، وإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعلامة؛ من يُفسر من؟ وكيف؟ فالماء في القصيدة هو الذي حدد هوية المكان وذاكرة التاريخ ومأساة السياسة وعلائق الحب وشكل الأسطورة، وهذا الازدحام الدلالي هو الذي جعل الصورة النهرية في القصيدة حقلًا ميتاسيميائيا مفتوحا.
في سيميائية التثنية للنص قُدَّم النهران دجلة والفرات ضمن ثنائية متكاملة تشبه الذكر والأنثى والفاعل والمفعول والحاضر والمنفي والعاشق والمعشوقة، وهذه الثنائية ولّدتْ سلسلة من العلامات العلائقية، رسمت صورة لهما على أنهما ليسا شخصيتين فقط، وإنما هما علامتان زوجيتان متلازمتان تمثلان الثابت والذات. وفي السيمياءِ السياسية قُدم السد بوصفه علامة قمع صورت الماء سلعة، والذاكرة ممتلكا، والجريان احتجازا، والطبيعة سلطة، فالسد في النص ليس سدا هندسيا تقليديا مثل السدود الأخرى وإنما هو علامة على الانتهاك السياسي، وعلى الهيمنة العابرة للحدود، وعلى فقدان الحرية، وهو رمز لقتل الماء في بلاد الماء، وبذلك صار السد علامة موت في نص كله مبني على صور الحياة، وقد خلق هذا التضاد توترا سيميائيا هو جوهر المأساة في النص.
فضلا عن ذلك اشتغلت القصيدة على معجم ديني كثيف: آية.. صلاة.. نبي.. السماء.. بكاء السماء.. كربلاء. وهذه العلامات تستدعي ثلاث دلالات سيميائية، الأولى: قداسة الماء؛ ما دام الماء آية، وما دام النهر صلاة فهو بالتأكيد حامل للمقدس، وجاء تدنيس المقدس حين انكسر النهر "ككأس نبي"، فهذه العلامة أنتجت صدمة سيميائية حيث الطاهر يُكسر، والمقدس يُهان، والماء يصبح شهيدا. وكربلاء في النص ليست ذكرى مجزرة تاريخية فحسب، وإنما كانت علامة كونية على ظلم وفقد وانكسار ومأساة لا تنتهي، وبذلك أصبح قطع الماء هو استمرار سيميائي لشكل من أشكال القتل الرمزي.
أما العلامة الأسطورية عن الجبل الطفل: "حين كان الجبل طفلا يجيد النطق بالحجارة" فهي علامة بامتياز عالٍ، فالجبل بوصفه طفلا يتحدث، يعني أننا أمام عالم لا يخضع للمنطق الفيزيائي، بقدر خضوعه للميثولوجيا، وهذا يعطينا تصورا منمقا أبعاده: الجبل ـ الأب، والماء ـ الابن، والنزول ـ الولادة، والنطق ـ إعلان الحياة، وهذه البنية تمنح الماء دلالة وجودية ولادية، فالماء يولد من صلب الكون.
وهناك في النص علامات العلائقية: تسابقا.. تعاتبا.. تباعدا، وهي بنية سيميائية قائمة على التوازي الصوتي والمعنوي وتؤدي ثلاث وظائف، الأولى: وظيفة حركية، تشير إلى دينامية العلاقة، والثانية: وظيفة زمنية تقدم سردا موجزا لعقود التاريخ، والثالثة: وظيفة دلالية تفتح على معنى التحول من الحب.. الحزن.. الفقد. وهذا المقطع مثال واضح على ما تسميه السيميائيات بالعلاقة التداولية حيث تتغير الدلالة بسبب تغير الفعل. والعلاقة التداولية هي التي تربط اللغة بمقاصد مستخدميها في سياقٍ واقعي، بمعنى كيف تُستخدم الجملة، لا لتقول شيئا فحسب، وإنما لتفعل شيئا أيضا. فالنحو يهتم ببنية الجملة عادة، بينما تهتم الدلالة بمعناها الثابت، أو بمعنى ماذا يقصد المتكلم حقا؟ وماذا يفهم المتلقي؟ وكيف يُغيرُ السياق معنى الجملة؟ وتتشكل العلاقة التداولية من ثلاث ركائز، الأولى: المتكلم: نواياه، خلفيته، أهدافه. والثانية: المتلقي: توقعاته، معارفه السابقة، قراءته للعلامات. والثالثة: السياق: السياق الثقافي، النفسي، الاجتماعي، المكاني، الزماني، الخطابي، وحين تتفاعل هذه العناصر تنتج المعنى الحقيقي المتداول، وهو معنى قد يختلف تماما عن المعنى المعجمي للجملة أو القول، فعندما تقول لشخص ما: إني جائع، فالدلالة هنا تبيان حاجتك إلى الطعام، لكن التداولية قد تعني أنك تريد الانصراف، أو لا تريد مرافقته. وبالمجمل نرى أن العلاقة التداولية هي الصلة بين الملفوظ وبين القصد التداولي الذي يتحدد عبر السياق، لتتحول اللغة من حامل للمعنى إلى ممارسة للفعل.
هناك في النص علامة أخرى هي العلامة الشيطانية متمثلة بـ: قابيل الجديد، فقابيل في النص ليس هو قابيل القرآني، وإنما جاء إشارة إلى قابيل السياسي، وقابيل الجغرافيا، وقابيل الحكومات، وقابيل القبائل، وقابيل العالم الحديث الذي يقطع النهر ليقتل مثلما قتل قابيل القرآني أخاه، وقابيل يتحول إلى علامة على الفساد وعلى "السياسة التي صارت بغاء". وهذا تمفصل سيميائي بين الماء.. الحياة، قابيل.. القتل، وهو تمفصل يخلق علامة تضاد كوني بين الطبيعة والإنسان.
ومن علامات النص الأخرى علامة بكاء السماء، فالسماء في النص علامة مزدوجة، تأتي مرة علامة أمٍّ تبكي على فراق ابنيها دجلة والفرات. ومرة أخرى علامة قدرة، تبكي لأن لا قدرة لها على التدخل. وثالثة علامة العلو حين تنسحب لتصبح "شاهدة عاجزة" لا "قوة متحكمة"، وهذا بدوره يؤدي إلى دلالة جديدة دلالتها أنْ حتى السماء استسلمت للدنس الأرضي.
وعلامة اللقاء والفقد، الفقد واللقاء في الحلم فقط: "حتى عاد النهران يلتقيان في الحلم فقط"، وهنا يتدخل البعد السيميائي الحاد، فاللقاء الواقعي مستحيل، واللقاء في الأحلام ممكن. وبذلك يتحول اللقاء من مستوى الواقع إلى مستوى العلامة الخالصة، ليصبح اللقاء مجرد فكرة أو ذكرى أو حلم أو رمز، وبالتالي لا يعود وجودا ماديا، وهذا ذروة المأساة السيميائية؛ وهي أن يتحول الوجود من مادة إلى رمز فقط.
وعند تحليل كل هذه العناصر، يصبح واضحا أن القصيدة ليست مجرد كلام عن الماء، وإنما هي نص سيميائي متعدد الطبقات، ونظام علامات يتداخل فيه المقدس بالدنيوي، وخطاب احتجاجي مشفر، وأسطورة وطنية، ومأساة اجتماعي، وقصة حب كونية. والماء في النص يصبح علامة، وجسد، وذاكرة، وصوت، ودم، وقربان، ووطن في آن واحد. 
من هنا أرى أن هذه القصيدة تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالشعر النهري العراقي الجديد الذي بدأ منذ السياب وأدونيس ومحمود البريكان. والمعروف أن الشعر النهري العراقي ليس مجرد غرضٍ شعري مثل باقي أغراض الشعر، بقدر كونه بُنية هوياتية تشكلت حول دجلة والفرات بالذات بوصفهما ليسا أنهارا فقط، وإنما هما سيرورتان حضاريتان وامتدادا للعقل العاطفي العراقي منذ فجر الأسطورة حتى القصيدة، أي أن الشعر النهري هو الشعر الذي يتمحور حول النهر بوصفه ذاكرة جمعية ورمزا للأبوة الحضارية ومسرحا لأسئلة الوجود ومنبعا لصور الفقد والانكسار والخصب والنهضة والخراب. إنه شعرٌ لا يصف الماء، وإنما يستخرج من الماء مادته الوجودية.
وتاريخيا كان النهر أصلا للخيال العراقي منذ ملحمة جلجامش حينما صار طريق الخلود والبحث عن الحقيقة. وفي العصر الإسلامي ظهر النهر في الخيال الأموي كحدٍّ لسلطة جديدة، رغم أن العراق لم يكن مركزا للحكم الأموي، لكنه كان مركز التمردات والحركات الفكرية التي قام بها الشيعة والخوارج والزنج لاحقا. ومع ذلك ظل دجلة والفرات يمثلان حدودا لامتداد الدولة، لذلك ظهر النهر في الشعر الأموي كجغرافيا سياسية أكثر منه جغرافيا روحية. وتكلم عنه الشعراء الأمويون كأرض مفتوحة كثيفة الزرع متخمة بالخصب وهي نبرة جديدة على الذائقة الصحراوية. فمثلا نجد في وصف جرير والفرزدق والأخطل للبصرة والكوفة إشارات لثراء المياه والمزارع والخمائل، لكنها إشارات كانت لما تزل محكومة بنبرةٍ بدوية تستغرب هذا العالم الأخضر. فالأخطل وصف الخمر التي تُسقى من ماء الفرات، وربط النهر ببهجة الشراب والمجالس. وأشار جرير إلى نخيل البصرة وربطه بماءِ النهر كعلامة على رخاء خصمه. وهذه اللمسة المبكرة جعلت النهر مشهدا أوليا للمدنية وليس بعدُ للعمران المتفجر كما في العصر العباسي. بمعنى أن النهر ظهر عندهم كهامشٍ مشاغب، وكأن الماء رمز لعالم منفلت من قبضة المركز. ربما لأن الأمويين القائمين على إرث قبلي صحراوي كانوا يرون في النهر طبيعةً لا تشبههم. ومع ذلك نجد في بعض الشعر ولاسيما عند الشعراء الذين خالطوا أهل السواد أن النهر أصبح رمزا للدهشة والخصب والنعيم الذي يبطل معه معنى الصحراء. وهذا ظهر في شعر ذي الرمة والحطيئة والأخطل الذين زاروا العراق وأقاموا فيه. لكننا نجد هذه الدهشة قد تحولت في العصر العباسي إلى ألفة واحتواء، حيث أصبح النهر مرآة للترف الحضاري. لأن الإنسان العباسي صار ابنا للمدينة، لا بدويا زائرا لها. ومنه امتدت نحو الحقب اللاحقة. أما في الشعر الحديث فقد تحول النهر إلى جسد جريح، حينما جعل السياب شط العرب ذاكرة موت وولادة، ورأى فيه البياتي منفى داخليا. وربطه سعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي بالعطب السياسي، ورآه شعراء اليوم جرح الهوية المائية. وهنا يثار سؤال مفاده: لماذا الشعر النهري عراقي الهوية تحديدا؟
وبرأيي أنه أخذ هذه الهوية من العراق نفسه لأن العراق تشكل حرفيا من طمى النهرين، وتكونت حياته الاقتصادية والروحية حول الماء، فارتبط وعيه الجمعي بالأخضر والبني؛ بلون الماء ولون الطين. لهذا فالشعر النهري العراقي ليس غرضا، إنه تاريخٌ مكتوب بلغة ماء له سماته الجمالية وأولاها التأليه الرمزي للنهر، فالنهر هو الأب والراوي والحارس. وازدواجية الخصب والخراب سمة أخرى، فالماء مصدر حياة ومقبرة. وسمة نوستالجيا المكان المفقود عند تحول النهر إلى طيف. من هذا العمق جاءت البنى السيميائية المائية، أي الأنساق العميقة للمعنى التي ينتجها حضور الماء نهرا أو بحرا أو مطرا في النصوص الأدبية والثقافية. أي أن الماء لا يظهر فقط كعنصر طبيعي، وإنما يجيء كعلامة تمتلك شبكة من الدلالات الرمزية والثقافية والميتافيزيقية تُحوِّل الأشياء إلى رموز. فذكر النهر مثلا لا يشير إلى الماء فقط، وإنما يشير إلى الزمن: الجريان.. الطهر: الغسل، العبور: الجسور، العتبات، الحياة: الزرع والخصب، وإلى الميثولوجيا: الخليقة والطوفان. وهذا يعني أن الماء تحول إلى لغة تمثل الأنظمة الرمزية والدلالية التي يشكلها حضور الماء في النص. وفي العراق تحديدا الماء والنهر ليس مجرد صورة؛ إنه ذاكرة أمة، ولهذا تحول من جغرافيا إلى ميتافيزيقا، ومن هذه الميتافيزيقيا جاء الشعر النهري المعاصر ليتحول إلى وثيقة نوستالجية مأساوية عن هوية مائية مهددة بالانقراض.
لهذا كله أرى أن هذه القصيدة أضافت لغة أكثر انسيابية، وخيالا أكثر أسطرة، واحتجاجا سياسيا مضمنا في الصورة لا في الشعار، ولذلك انمازت عن كثير من القصائد الحديثة بأنها ليست مجرد رثاء للنهر، وإنما هي قراءة وجودية لمحنة العراق المعاصرة التي سببتها شحة المياه في النهرين العظيمين. ومن هنا أرى أن هذه القصيدة نص كبير وعميق تجاوز كونه شكوى عن أزمة المياه الخانقة التي يمر بها عراقنا الحبيب اليوم؛ إلى كونه أسطورة حديثة عن وطن حوصر كما يُحاصر الماء. وبالتالي هي قصيدة بنيت على قوة الصورة وعمق الرمز وانسياب الموسيقى وذكاء التناص ومأساوية الرؤية، وهذا كله جعلها قادرة على أن تُدْرس بوصفها نموذجا للشعر العراقي الراهن الذي يحمل روح الأسطورة وفجيعة الواقع. ذلك لأن الشاعر عمر الخفاجي لم يكتب فقط عن نهرين يجفان بسبب الإهمال والتقصير والخيانة وضعف الروح الوطنية وانحسار الوازع الديني والأخلاقي فحسب، وإنما كتب ايضا عن انهيار نظام كوني كامل. إنه سرد: "انقلابا على السماء" حيث يتم عزل الإله المائي عن رفيقته، وهذا يقطع أواصر الحياة الكونية ذاتها، لأن العراق أصل الوجود. وهذه الرؤية جعلت من معاناة العراق والعراقيين ليست مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية عابرة، وإنما جعلتها خراب العالم بمعناه العميق، فانفصال دجلة والفرات هو تمثيل مرئي ومأساوي لانفصال العراق عن جذوره، وعن قدسيته، وعن قصة خلقه الخاصة لبلد كان مسقط رأس التاريخ.

مساحة إعلانية