مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

وردة غزة ...بقلم أبو المجد الجمال

2025-12-29 05:07 PM  - 
وردة غزة ...بقلم   أبو المجد الجمال
أبو المجد الجمال
منبر

 تحت الركام، كان الصراع بين الموت والحياة قائمًا. دموع تبلل وسادة الغزاة، وضمير الصمت ينهش قلوب الضحايا. الحجر ينطق، والشجر يبكي، والدم يروي أرض الصمود. أنفاس تتوقف، وحياة تولد. صراخ وعويل، وأيادٍ تنتشل ما تبقى من أمل.

إلا هي…لم يبق من الدم سوى أشلاء جسدٍ مزقته شظايا العابثين. كانت هنادي وردة صمود في وجه الخراب، زهرة غزة التي ذبلت في الدمار، لكنها لم تفقد عطرها الأثير. ظلّت روحها متشبثة بفجرٍ جديد، رغم أنها تتنفس من ثقب الإبرة. ينابيع الفرحة تنفجر بالنجاة، ولم يبق على أطرافها سوى ذراعٍ تتكئ عليه الهشاشة. وحين غادرت غزة للعلاج، كانت ظلال السماء ترافقها. شعرت وكأن قلبها قد انتُزع من بين ضلوعها، وأنفاسها معدودة، بين رائحة الدم وتصاعد الدخان الذي يخنق الذاكرة بظلال الماضي الأليم. ومع ذلك، كانت بتلات الزهور تتنفس تحت قطرات الندى، تذيب جمود أيام هنادي. قضت تسعة عشر يومًا، تتقلب على جمر النار.

على غير ميعاد، فتح الحب شبابيك الأمل، وجاء الربيع قبل أوانه. كان حسين شابًا وسيما، لكنه كفارس بلا جواد في زمن البارود؛ لا يستطيع أن يخطف معشوقته ويطير بها على جواده الأبيض. وقع نظره عليها حين جاء إلى المشفى لعلاج والدته من المرض اللعين. دقّت القلوب لترمم أركان الحياة المكسورة. اقترب من هنادي. سمعت نبضه، ارتعشت يداها، وارتجف قلبها. طلبها للعش الهادئ. صدمته، رغم أن شعاع عينيها كان يكشف ما لا تنطق به الجوارح. ألحّ عليها بكرةً وعشيّة، وكلما أصرّ على الرباط المقدس، كلما تراجعت على كرسي العجز الجسدي. سافر إلى الأردن بحثًا عن طبيب مخترع لعلاج جديد، علّه يشفي والدته. مرت تسعة أشهر، وكأنها دهرٌ ثقيل, حوّلت حياتها إلى ظلام دامس لا يولج منه نهار.

أكلتها الظنون:

هل أصابه رصاص الغدر؟ هل أصبح في عداد الأنقاض؟ هل تحوّل قلبه عنها؟ هل وجد شعاع الحب بعيدًا عن الخراب؟

ثم فجأة، ظهر أمامها بابتسامته الرقيقة. انسابت دموعها على الخدود كنهرٍ يروي سنوات العطش والجفاء. اكتمل القمر بدره في ليلٍ يميل إلى البكاء. حان للقلب أن يضمد جراحه، ولغبار التراب أن ينقشع. أما هو، فقد وقف أمامها محمّلًا بوجع البعاد ولهفة الشوق والحنين. شعر أن الروح عادت إلى جسده، وترغرغت عيناه بالدموع.

تعالت دقات قلبه لتعانق دقات قلبها، حين يرسم الصمت رسائل العشق والحب بلغة الحواس لا الكلام. كل لحظة بعاد كانت نارًا، وكل لحظة لقاء كنهرٍ عذب يروي أرض الجفاف والعطش. خرجا إلى أرض الصمود. أسراب طيور العشق تظلّل ما تبقى من حياتهما. الكروان على الأغصان ينشد أنشودة البقاء. وأشجار الحياة الخضراء تزهو أوراقها، وتعود إليها نضارتها. والركام تحوّل إلى تربة خصبة،

تنبت فيها زهورٌ كالوتد، لا تكسرها ريح.

 

مساحة إعلانية