مساحة إعلانية
الأدب هو الظاهرة اللصيقة بالوجود الإنسانى منذ درج الإنسان على كوكب الأرض ؛ ذلك الإنسان الفنان الذى تعينه قوة خيالاته على إعادة تشكيل ورؤية الظاهر ؛ والظواهر وإعادة تشكيلها وفق خيالاته وموهبته وقدرته الفنية .
يعرف اير كرومبى الأدب بأنه (صياغة فنية لتجربة بشرية يظهر فيها أسلوب الأديب ومعالجته لموضوع هو أحد التجارب البشرية)
قوة الصوت في القصة القصيرة.. أهم أدوات الكاتب المحترف
يتحدد بناء القصة القصيرة تبعا لعدة معايير وضوابط، من شأنها أن تسهم في تقديم تجربة لغوية للقارئ بأدوات وطرق مختلفة، ومن خلال هذه الأدوات يحدث التأثير الشعوري والفكري في الوعي. وهذا يعتمد على مدى قدرة الكاتب على بناء شخصية رئيسية مؤثرة، وحدث ينمو بالتدريج، بحيث تكون لحظة الاحتباس الحراري (الحبكة) في القصة قوية ومؤثرة، وتضاعف من استدراج الشعور. ويعتبر الصوت في القصة القصيرة من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الكاتب المحترف في صياغة قصته، فما يعاكسه تمامًا الصمت، وكأن اللغة ملاحقة بممحاة، تمحو ما يصنعه الكاتب، وبهذا لا يكون للقصة أي أثر.
إن الصوت في القصة القصيرة هو الآلة التي تنمّي الصراع، وهو الوقود الذي تستمد من خلاله الأحداث طاقتها. ودون تواجد الصوت في السرد، ستكون القصة مكبلة مملة، وتفتقر لأداة من أهم أدوات نجاحها؛ ولا حتى الصورة تعلق بالذهن مثلما يعلق الصوت. فصور كثيرة يمكن أن ننساها، لكن الأصوات تبقى تتردد داخلنا، كما يرى الكاتب المغربي الطاهر بنجلون أن "الصوت أكثر من الصورة، يجعل الذاكرة وفية بالأشياء والتواريخ والأحداث".
ذاكرة وأصوات فما يتبادر للذهن من قصص الكوميكس القديمة في طفولتنا مثل كابتن ماجد وكابتن رابح، الأصوات، فكنا نهتم بصراخ الأبطال أثناء تأدية المهمات، ونخرج لنقلّدها، وحين نعود بالذاكرة إلى الخلف، فإننا نستعيد تمامًا كيف كان صوت الكابتن ماجد أو الكابتن رابح. والغريب أننا لا نتذكر السرد المرافق للأحداث، بقدر ما نتذكر حدة وليونة وسرعة وعلو وانخفاض الصوت. حتى في السرد يحدث هذا، مثل أن يقول الكاتب: "مشى الحصان نق نق نق نق" أو وكأن يقول: "سقطت الطائرة بووووم"، خلال قصص الكوميكس المكتوبة في المجلات، فهذه أصوات علقت بأذهاننا منذ الطفولة، ووقت القراءة قمنا بالتخيل، كأن الصوت يحدث حقيقة في داخلنا. ومن الأصوات التي تلفت انتباه المرء، أصوات الطبيعة، وأصوات الأشياء الجامدة حين يتم تحريكها، فحين يصف الكاتب في قصته، صوت مشية الحصان، فإن الذهن يترجم ذلك إلى حركة وصوت متناغمين، ويتردد الصدى في الباطن، ولربما لا يلتفت القارئ إلى بعض الكلمات التالية لأثر الصوت في داخله، لأن الأثر الصوتي دومًا أعلى من أي أداة في القصة، وهنالك الكثير من الكلمات التي نقرأها في القصص، ونترجمها إلى حركة وصوت، وتبقى في ذاكرتنا للأبد. فنحن ترسخ فينا الأصوات ونبقى نتذكرها، لكننا لا نتذكر السرد في القصص الكرتونية.
وحتى تكون الأصوات في القصة خادمة للسرد لابد للكاتب أن يختار الكلمات بعناية، بحيث يستطيع أن يقنع القارئ بطريقته، وهذا الفعل يسميه الكاتب عامر بن عبد قيس بالانتخاب، فيتساءل: "الكلمة التي تعين الحركة والإشارة والصوت واللون والانفعال، التي تعين أمرا دون غيرها، ما هي؟ وما سر انتخابها". أصوات مختلفة تختلف أشكال الأصوات في القصة القصيرة، حيث يمكن أن يتواجد في القصة صوت خفي، وهو صوت المؤلف، بحيث يتم سرد القصة على شكل ضمير الغائب، وتبقى حاسة الإنسان معلقة مع خيط رفيع، لتمسك بالسياق الذي يريده الكاتب. هو ليس بشخصية داخل القصة، لكنه ساردها الأساسي، هو الناقل للأحداث، كأنه يمسك كاميرا ويصور حدثًا ما، ويقوم بنقله للآخر، هذا النقل يشتمل على صوته، وأصوات الأشياء الأخرى. وشكل آخر للأصوات في القصة القصيرة، هو صوت الشخصية البطل، فمن الممكن أن يكون البطل هو سارد الأحداث، فهو يعايش تجربة أو عايشها، ويكون على المؤلف دمج الوصف الزمني، فعليه تُبنى المشاعر من بعدها كالحنين والتذكر والندم والخوف،وكل هذا يمكن تجسيده بصياغات مختلفة للصوت. وصوت الشخصية الرئيسية في القصة القصيرة يتجسد في القناعات التي تحملها، والرؤية التي يعطيها المؤلف للبطل خلال السرد، هذا الصوت لا يتحدد بارتفاع موجاته أو انخفاضها، وإنما بمدى استمراريته في ذهن القارئ. كما يكون في القصة القصيرة أصوات ليست بالبشرية، لكنها تصنع الفارق في تركيب وأثر وسياق السرد.
هذه الأصوات تتواجد منفردة أو جماعية في الطبيعة من حولنا، أو بفعل حركة الآلات والمركبات أو حركة الماء، كلها تصنع من الشغف والتعلق والفضول لدى القارئ خلال رحلته مع القصة، فبمجرد ما يسرد الكاتب عن صفير القطار، فإننا نتخيل معه لا شعوريًا، صوت الصافرة المدوي في المكان المفتوح، بل ونتخيل جسد القطار وحركته، ودخانه في السماء. مشهد كبير يتم صناعته في الذهن لمجرد تلميح ذكي يمتلك الإثارة من المؤلف. هذا السر في الصوت، يعطيه خصوصية سردية لما يمتلكه من أثر عظيم على القارئ. والكاتب الذكي، هو من يصنع عبر اللغة صوتًا ذكيًا، ينطبع في ذات القارئ بسلاسة. وحول هذا تتساءل الكاتبة رضوى عاشور مستغربة، "لماذا بقي الصوت حاضراً إلى هذا الحد، لماذا تصون الذاكرة أشياء دون أشياء؟ 2 ".
جمالات عبد اللطيف وتوظيف الصوت واللون فى قصص التراث الشعبى
فى مجموعة (حكايات من نجع الطيبة) التى تحمل بين طياتها قصصا قصيرة مستوحاة من البيئة الريفية والحياة الشعبية فى صعيد مصر ؛ استطاعت توظيف الأصوات والألوان بطرق رمزية موحية بخيالات عديدة .
فى قصتها "غروب فى منتصف النهار" تستهل الدهشة بالعنوان ! حين تستميل القارىء للتساؤل ورسم صورة آنية عن هذا الغروب المباغت فى منتصف النهار ؛ سيبحث عن هذا التغير المفاجىء للطبيعة و لدورة اليوم المعتادة ..
فى ذات القصة تصرخ البطلة بلهفة غلى وليدها فى كابوس يداهمها فتجرى عليه بالسملة والحوقلة هذا الصوت الذى يحث على الاستيقاظ واللهفة على طفلها ؛ ثم تتابع المشاهد الوصفية عن الصحراء بلونها وبيتها الصغير ذو الطابق الواحد كبقعة خضراء و سط الصحراء. ينطلق الخيال ليميز الأخضر والأصفر والتضاد اللونى بين الصحراء القاحلة و الأخضر اليانع المريح .
( كان صغيرى ذا البشرة الرائقة يتلهف للانطلاق فوق العشب عدوا ؛ والجدة العجوز ذات القامة الطويلة والجسد الهزيل تتابعانه بتلك العينان الفقيرتان الضوء)
( عندما أكبر سأصعد هذا الجبل ؛ لأمسك بالشمس قبل أن تنزلق وتسقط خلف الجبل وسأدسها فى حجرى وآتى بها إليك)
( عندما استدرت لأطمئن عليه، كانت تلك المرأة الطويلة ذات الوجه القاسى والعينان الباردتان والأسنان الصناعية تقف أمامى كالشيطان وخلفها بعض الأشخاص.ملثمون لا تظهر من ملامحهم سوى العيون الحاقدة التى تنذر بالشر والخراب )
ولأن القصة القصيرة هى فن المحذوف ولا تحتمل التطويل أدع لخيال القارىء تحليل المشاهد الثلاث الفائتة و ترك إحساسه للأصوات والألوان متسائلا : هل وصلك شىء من الكاتبة ؟
الحكاية 12 أربعاء أيوب
يتجلى الوصف اللونى والحركى ممتزجا بالصوت عن التلميذة التى سافر والدها للخليج ويرسل لهم أموالا وهدايا للمعلمة وملابس تتفاخر بها أمام زميلاتها وتسرق منهم تفوقهم بالمجاملة .
( تأتأت البنت ومأمأت فعاجلتها المعلمة صح رائعة إنه بالفعل مينا موحد القطرين ؛ صفقوا لزميلكم النابهة ؛ صفق الاولاد . ابتسمت زينب.
شعرت بقهر ومرارة وددت لو أن أعمل كل أظافرى العشرة فى وجه زينب لأنتزع تلك الابتسامة المستفزة من فوق وجهها الوضيع..............
ضممت حقيبتى إلى صدرى المضطرب وخرجت مسرعة وأنا أبكى وأشهق ؛ المجرمة ذبحتنى ودعكت دمى بحذائها يارب لا تسامحها )
امتزاج اللون التعبيرى بأصوات الغضب و السخرية والتصفيق ؛ مشهد الصفعة وصوتها و أثرها من ذبح معنوى ودوس على الكرامة .
مشاهد متتالية من القرية كلها ألوان وأصوات و حياة خضراء ..
تحكى البطلة عن مغازلة الأب للأم وهو يمد يده إلى الأماكن اللدنة من جسدها بينما هى تبتسم و تشير إلى وجودنا ...
يكفأ عمامته للأمام و يرقص حاجبيه ويغنى لها :
حلو يا مص الشفايف ياما حادق يا لمون
يا بت بيضا من حالك ولا بودرة وصابون
أغنية شعبية تختزل الكاتبة الراقصة فى الحاجبين حتى أن القارىء يرفع حاجبيه الأن ويبتسم بنشوة .
اللون الليمونى وطعمه الحادق ؛ بياض الوجه الطبيعى مقابل البياض الصناعى بالمستحضرات .
نخلص إلى أن الكاتبة أوغلت فى التراث الشعبى والقصة التى تحكى بتلقائية عن أحوال النجع .. والحقيقة أن كل عنوان فى قصص المجموعة له دلالات متعددة مستخدمة فرشاة الحروف وصوتها وحركتها .
إن الرمزية فى إستخدام اللون والحركة والصوت توحى للقارىء بأفكار جديدة بقصد أو حتى بدون قصد ؛ فمن وجهة نظرى أن الأدب الحقيقى هو الذى يثير الكثير من التساؤلات والأجوبة ويشغل الخيال والعقل فيشغله بحثا.
مثالا : دماء على ثوب مريم
عنوان قصة ضمن المجموعة ونعرف أن اللون الأحمر القرمزى مثير لمشاعر العنف أكثر ما يثير من مشاعر الحب والدفء وهذا ما يجعل القارىء يبحث بين السطور عن سبب الدماء. فطالما كان اللون عنصرا لا غنى عنه فى القصة القصيرة ؛ سوف يثير تساؤلا عن لون ثوب مريم؛ وما هية مريم ذاتها .
فى الحكاية الثانية ( التميمة )
"املأ كفيك من تراب الأرض لنتيمم ونصلى الوتر قبل أن نرحل : أنا وأنت والشيخ نقاطع هذا النهر إلى أن يتطهر ويذهب عنه ذلك السحر الأسود"
تستهل الكاتبة الحكاية بصوت الفعل الآمر الذى يدعو للحركة وأداء صلاة جهرية صوتية وهى صلاة الوتر ؛ ثم سبب غريب وهو مقاطعة النهرالذى يأتى فى اليقين أنه طاهر فيفسده ويدنسه سحر أسود وبالطبع رمزية الشر هنا فى اللون الأسود واضحة ..تضاد الصورة
" القرية غارقة فى النوم ؛والطرقات صامتة موحشة لا يقطع صمتها سوى النباح الصادر من الكلاب..." الصورة البلاغية فى الوصف تعنى الكثير من الحذف الذى يغنى عن تكثيف الوصف بدلالة الصوت.
مساء الألوان المبهجة
" فى كراسة أحلامك تكتس السماء بأية حلة تختارها أنت لها .... وإذا ضخوا الحبر الأسود فوق ألوانك المبهجة فلا تبتئس ولا تقلب الشفاه، ففى دفتر أحلامك دائما هناك صفحات وصفحات ناصعة البياض مهيأة لاستقبال الألوان المحببة إليك"
الأحلام التى تراودنا هل تطيعها الألوان ؟ الشر الذى يحاوط الأحلام ونحاول التخلص منه بأمل جديد وصفحات ناصعة البياض تحمل النقاء فى عقل الطفلة البطلة
" آلام المخاض تجعل من صرخاتها طيورا جارحة تنهش بمناقيرها قلبى وأعصابى ؛ وكلما هبطت درجات السلم لأطمئن عليها تصرخ الداية فى وجهى : عيب يا بنت العبى بعيد ....
"..... دخل علينا أستاذ الرسم ... نادى بحدة اسمى ؛ وقفت على مقربة منه ؛ نهض وأمسك بى من يدى ودفعنى بقسوة خارج الفصل وقال وهو يعتصر جديلتى بيده ويرفع من خلالها وجهى للسماء:- أنظرى فأنت إما غبية أو عمياء...
- صرخ : ما لون السماء يا بنت ؟
- قلت : زرقاء بلون الموت خنقا.
- لكزنى وصاح: وما لون الشمس ؟
- قلت برتقالية بلون اللهب.
- وقطع السحاب يا عمياء؟
- رمادية تحمل فى جوفها دموعا كثيرة .
- قال : والمساء؟
- قلت : أسود بلون ملابس الحداد تغطيه أجنحة الوطاويط.
- قال وهو يلكزنى بشىء أكثر قسوة: والنجوم؟
- قلت من خلال دموعى : لا أعرف .
- والقمر ؟
- لا أراه.
- ............
سلمنى أستاذ الرسم إلى أستاذ الدين ؛ سألنى نفس الأسئلة ؛ لكنه أضاف سؤالا: لماذا تغيرين ألوان الأشياء؟
قلت : لأننى أراها من خلال ألوانى أفضل وأجمل ...
أفضل مما خلقها الله !! ثم لطمنى على وجهى........ خرجت من باب المدرسة أشهق وأبكى وقد اشتعلت نيران الألم فى الشق الأيمن من وجهى...
لم أتوقف إلا عند النهر .....لماذا الألوان ترفض التخلى عن انقباضها منذ غاب وجه أمى عن الحياة ؟
لقد مللت كل الألوان فوق الأرض. فلماذا لا أجرب الألوان فى قلب النهر؟ هل أجرب ؟...."
مقطع كامل الدلالة ؛الأزرق ، البرتقالى ، الرمادى ،الأسود .. كل لون يوحى بمدلول نفسى ويثير شعورا مختلفا .. صوت القهر فى أستاذ الرسم وأستاذ الدين ..وقد أحسنت الكاتبة فعدم استخدامها مرادفة المعلم ؛ فهما مارسا على البطلة قهرا نفسيا كبيرا ولم يعلماها شيئا ؛ لفظة تعنى الأستاذية العالمة بكل شىء وتحمل مضادا نفسيا هو الجهل الكبير.
مجموعة قصصية من قلب أبطال الريف والنجوع تمكنت الكاتبة من توظيف فنى للعناوين والمفردات المثيرة .. الوصف البسيط كعادة أهل الريف ولكن مدلول كبير دائما يحمل الحكمة تارة ؛ والايجاز المسكوت عن الكثير من الأحداث المفهومة سياقا ..
مثالا للعناوين : -
الركض فوق هضاب الشمس
رقصة الموت
يا عزيز عينى
شتاء الموت الجميل !!
الصبار فوق شفاه وردية
الرقص فوق أشجار البنفسج .
(حكايات من نجع الطيبة) 3
إن إثارة المشاعر بالألوان يزيد من التأثير النفسى و يجعل الحكبة متقنة خاصة إذا اندمج الصوت والحركة فى مشهد لو تم تحليله إلى كلمات سينتج مئات الجمل. فالألوان تخلق تصورا وتجارب لا مثيل لها من السرد المحذوف ودوامة الوصف وتطويل القصص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر
1_ عن اير كرومبى قواعد النقد الأدبى _ترجمة محمد عوض محمد _ لجنة التأليف والترجمة 1936
2 _ 2024 شركة إرم ميديا Erem Media FZ LLC
3_ حكايات من نجع الطيبة _ قصص قصيرة _ هيئة قصور الثقافة _ سلسلة أصوات أدبية 499
