مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

علاء أبو إبراهيم يكتب : الكلمة أمانة والسكوت عنها أحيانًا عبادة

2026-08-23 11:42 AM  - 
علاء أبو إبراهيم يكتب : الكلمة أمانة والسكوت عنها أحيانًا عبادة
علاء أبو إبراهيم
إعلان بنك saib

في البدء كانت الكلمة ؛ ولم تكن يوماً مجرد صوتٍ عابر تذروه الرياح، بل هي رصاصة لا تُسترد، ونصلٌ يقطع نياط القلوب بلا دم، وبناءٌ يرتفع بأرواحنا إلى القمم أو يهوي بها في سحيق الوديان ،  إنها الأمانة الكبرى التي تزلزلت منها السماوات والأرض وأشفقت من حملها، عهدٌ وميثاقٌ معلق في عنق كل إنسان؛ فإما أن ترفعه الكلمة إلى أعلى عليين حيث الرضا والسلام، وإما أن تهوي به في ظلمات الشقاء والندم، مصداقاً لقول الرسول ﷺ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوَانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ» 
وفي هذا الوجود الصاخب المحموم، الذي يموج بلغط الادعاء وضجيج النفوس، يبرز الصمت في مواطنه لا كعجزٍ أو انسحاب، بل كعبادةٍ راقية وموقفٍ وجداني مهيب ، فكما أن قول الحق جهاد ونور، فإن كف اللسان عن الباطل والجهل والفتنة هو صيانة للمهج وطاعة للرحمن ، حيث يتحول السكوت أحيانًا إلى أبلغ رسالة، وأقوى حصن يحمي إنسانية الإنسان ويحفظ ود القلوب، تماماً كما قال الشاعر:
لَو كانَ سَهمُ المَوتِ يُخلِي نَفسَهُ  ...  لَم يُخلِ سَهمُ اللَفظِ نَفسَ القائِلِ وجِراحُ مَضيَضِ المَوتِ يُبرِئُها الأَسى  ...  وجِراحُ لَفظِ السوءِ غَيرُ بَواطِلِ
الكلمة هي نبض الروح وهبة الله المميِزة للإنسان، لكنها في الوقت ذاته مسؤوليته الكبرى وامتحانه الأعظم ؛ فليست الأحرف ألعاباً نلهو بها في مجالسنا، بل هي وثائق تُكتب بمداد من نور أو نار ، وعقود تُبرم في سجلات الغيب ،  إن أمانة الكلمة تتجاوز مجرد النطق، لتصبح تجسيداً لضمير المرء، وعقيدته، ونقاء سريرته ،  فالإنسان مخبوءٌ تحت لسانه، فإذا تحدث بدت عورات عقله أو تجلت أنوار حكمته وصلاح قلبه ، وتتجلى خطورة هذه الأمانة في كونها لا تموت أبداً؛ فالكلمة الطيبة لمسة حانية تبرئ جرحاً وبذرة صالحة تثمر خيراً وتورق حباً ولو بعد حين، والكلمة الخبيثة شرارة سوداء تحرق مجتمعات، وتهدم بيوتاً، وتقطع أرحاماً بعد أن تفارق الشفاه ، لذلك ، جعلت الرسالات السماوية من صدق الكلمة والمسؤولية عنها معياراً لسلامة الإيمان وعنواناً لنضج الإنسانية، فكل حرف نلفظه هو لبنة نساهم بها إما في بناء صرح الحق والجمال، أو في تشييد جدار الباطل والخراب
على الضفة الأخرى من جلال النطق، يقف الصمت شاهداً على نضج العقل وسكينة الروح وفيض الإيمان ؛ فالسكوت ليس دائماً فراغاً أو استسلاماً، بل هو في مواطن اللغط والفتنة والجهل أرقى درجات العبادة والتسامي ،  حين يتحول الكلام إلى خنجر مسموم لتزييف الحقائق، أو إثارة النعرات، أو الخوض في أعراض الناس، يصبح الإمساك عنه جهاداً مريراً للنفس وكفاً لأذى اللسان عن عباد الله ،  إن الصمت التعبدي هو وقوفٌ واعمٌ على ثغور الأخلاق، حيث يدرك القلب قبل العقل أن الكلمة إذا لم تكن بلسماً وشفاءً، فإن عدمها هو عين الصواب والرحمة ،  في لحظات الغضب، يكون السكوت حصناً يمنع الندم المُر، وفي أوقات الفتن، يكون الصمت اعتزالاً شريفاً يحقن الدماء ويغسل القلوب من الضغينة ،  إن العبادة بالسكوت تعني أن يقهر الإنسان شهوة الكلام وعشق الانتصار للذات، ليجعل من صمته مساحة دافئة للتأمل، والتدبر، وصيانة دينه وعرضه من عثرات اللسان التي قد تورد صاحبها الموارد ، إن الصمت حين يتحدث الجهل ليس غياباً، بل هو حضورٌ طاغٍ للحكمة والنبل الأخلاقي
عزيزى القارىء إن هذه الحياة في جوهرها رحلة قصيرة تتأرجح بين كلمة نطقنا بها مسؤولين ومحاسبين، وصمت لزمناه آمنين ومأجورين؛ فالمرء يصنع تاريخه بلسانه، ويحمي روحه وكرامته بحصافة صمته ، إن الكلمة أمانة تنوء بحملها الجبال الراسيات، والسكوت في مواطن اللغط طاعة تقرب العبد من ربه، وتضفي على روحه وقاراً وسكينة ، فليست الحكمة في أن تملأ الآفاق صخباً وضجيجاً، بل في أن تدرك متى تهب الكلمة الحياة والأمل، ومتى يمنح الصمت النجاة والسلام ، فطوبى لمن جعل كلامه ذكراً وفكراً ونوراً، وصمته حكمة وعشاً للسكينة والعبادة، ليعيش نقي السريرة ، طاهر الحرف، مغلقاً لأبواب الشر، ومفتاحاً لكل خير ومحبة

مساحة إعلانية