مساحة إعلانية
كان صباحاً صحواً ندياً، الشمسُ ترسل أشعتَها الدافئة تتدلَّى بمرح إلى النافذة المفتوحة.
يقف أحمد أمام المرآة يصفف شعره بعناية فائقة، ويصلح هندامه، ارتدى معطفه الأنيق ذا اللون الأسود، ظلَّ يصلح ربطة عنقه وهو يدندن بأغنيته المفضَّلة بانتشاء، ويُحدّق في المرآة بإعجاب، ورضا.
اليوم هو على موعد أثير إلى نفسه في ملتقى أدبي سيحكي فيه عن مسيرته الأدبية، ونتاجه الأدبي خلالها.
وبينما كان يهمُّ بالخروج إذ رنَّ هاتفه، فلم يعره اهتماماً كونه على عجلة من أمره، لكنَّ الهاتف ظل يرن وكأنَّ المتصل يستجدي الرد لأمر ملحّ.
الرنين المتواصل جعله يلتقط هاتفه متأففاً، تأمَّلَ الرقم إنه من دولة غير دولته، أجاب وقد انتابه الفضول:
ـ نعم.
جاءَهُ صوتُ امرأة مبحوح، يخنقه بكاءٌ مرير جعله يصل كآخر نفسٍ في موَّال حزين:
ـ قل لي ماذا أفعل؟؟
تعجَّب من السؤال
ـ من أنتِ ؟
ـ خائفة، خائفة، وقتٌ قصير ثم سيأتي دوري، سيقتادوني إلى الموت!
وأعقب كلامَها نحيبٌ صاخب، اختلط بصراخ وعويل وإطلاق نار .
اعتراه ذهول وهو يحسُّ بفجيعتها،
لكنه قال :
ــ لقد أخطأتِ الرقم ياسيدتي، من تريدين؟؟
قاطعته:
ـ اسمعني أرجوك، أنا في مأساة حقيقية، بيني وبين الموت والعار بضع ثوان، ماذا أفعل؟ كيف السبيل للخلاص؟؟
نسيَ موعده أمام توسلات هذه المتصلة الغريبة، ارتمى على كرسيه، وأصغى لصوت مرتجف كلهيب في ليل عاصف، حاول أن يشرح لها أنه ليس الشخص المعني بهذه المهاتفة، لكنه على استعداد لسماعها، إن كان ذلك لن يهدرَ وقتها مع الشخص الخطأ. هدير الخوف المتلاطم في صوتها وأنفاسها المتلاحقة حالَ دون سماعِ مايقوله لها، وأتته تنهداتُها زُمَراً، واسترسلت في بث شكواها:
ــ أحاول أن أسترَ نفسي. هل تدرك حجمَ مأساتي؟ أحاول أن أحافظ على ماتبقى من أنفاسي، لكنهم قادمون مدججين بالسلاح، مدججين بالشر، منزوعي الإنسانية، أسمع صراخَ رفيقاتي حتى يغيبهن الموت، ماذنبنا؟ لستُ أدري، غيرَ أننا نحلم بحياة كريمة، إنني أرى موتي في وجوههم، في صوت وقع أقدامهم، اسمعني، أريد أن أخبرك شيئاً قبل أن أغادر ...
لم يسعفها الوقت،
انقطع الاتصال!
ــ ألو ألو
كان يرجو أن يعود صوتها، لكن دون جدوى.
ساد صمتٌ متوشح بالسواد القاتم، وقف عاجزاً ، حائراً،
أحسَّ بأن الأجواء حوله تخنقها روائح ذل عفنة.
ظلَّ يحدق في شاشة هاتفه التي رانَ عليها السواد.
أحسَّ بأن صوت المرأة الغريبة قد التصق بجدران غرفته، ظلَّ يلاحقه، يطرق أبوابَ سمعه!
وثب عجزه يحاورها:
ــ أيتها الغريبة، لم تخبريني عن عمرك، لكنَّ صوتك يشي بعطر أعوامك الغضة التي مازالت تحبو في أوج ربيعها المُدمى، كنتِ على موعد مع أحلامك، تحلمين بالحياة الكريمة، فنأى الموعد الخضير، وتوارى وجه شاحب المنى خلف تضاريس الذل والهوان.
بكت الدموع في عينيه.
أعاد الرقم على هاتفه، تأمَّل اسم دولتها (السودان)، خنقته غصة قاتلة، لاحت في خياله أشجار الصمغ في مدينتها نائحةً مع الريح تماماً مثل صوتها الذي تمثَّل له جرحاً أبياً:
ــ ماذا أفعل؟ أريد أن أستر نفسي، أن أتشبث بما بقي من أنفاس عمري، لكنهم قادمون ... )
صرخَ وهو يتأمَّل صورتَه في المرآة:
ــ ليس بيدي شيء كي أفعله لكِ سوى الخذلان، يقودني بغير هدى! لم أرَ ملامحك، لكني أحسستُها قهوةً مُرَّة خلف المسافات لبُنٍّ مجهَد، أشربني آهاتٍ بلا أقداح، صوتُكِ يرسم تفاصيلَ ملامحك كحبَّاتِ بُنٍّ مُرة تستفيق مع أشجار الصمغ تحت دفء شمس مزَّقَ بردُ الخوف أكبادَها في مدينتك الفاشر.
إنني أراكِ وتُسمعني عيناكِ بقية حكايتكِ التي حال بيني وبين سماعها حتفك القاسي.
أسمع الليل ينتحب في صوتك، لقد طُعنتِ بخنجر ذُلّنا.. لم تخبريني عن اسمك، لكني عرفتُه الآن، ورأيتُ عينيكِ المنسابِ دمعُهما كنهري (الدندر والرهد)، وهما يجريان صادحان ببهجة الرواء، لكنهما الآن جافان، يتجرعان هشيم الظمأ.
وفي تلك الأثناء رن هاتفه، ظن أنها عاودت الاتصال، غمرته فرحةٌ مشوبةٌ بحزن غائر،
لكنه أدرك أن المتصل ليس هي، أصابه همٌّ ثقيل مُحدِّثاً نفسَه:
ـ لماذا لاتعاودي الاتصال، اتصالكِ لم يكن خطأ ، نحن المخطئون .
كان الاتصال من أحد زملائه..
لقد افتقدوه في اللقاء الأدبي، فلقد تأخر عن موعده.
أجابهم بصوتٍ متهدجٍ، تخنقه العبرات:
أعتذر عن الحضور، أنا منشغلٌ الآن بكتابة رواية، كلنا مسؤولون عن كتابة فصلها الأخير .