مساحة إعلانية
قالوا :" لم يمرض يوما ، ولم تدخل جوفه قطرة دواء " ، ذات أصيل تملكتني الحيرة ، رأيته يحوم على غير العادة أمام الصيدلية ،يؤشر للبائع من بعيد وهالة من الفرح تكسو وجهه النحاسي ، يقترب وهو يفرك كفيه قلقا ، يتجول ببصره ذاهلا فيمن حوله ، يخفي البائع ابتسامة ماكرة ، يقترب منه في تردد ، يعطيه أذنه ليغيبا سويا في حديث هامس ،يجيبه البائع في اقتضاب :" طلبك موجود ".
" محمود العقبي " مزارع بسيط ، لا يعرف من دنياه غير حقله ومواشيه، يقضي سحابة نهاره يضرب بفأسه ،لا يرجع إلا وقت المغيب ، لا يحفل بشيء دون الفلاحة ، فلا تراه يخوض في حديث غير نوبات الري ، أنواع السماد ،التقاوي، وسلالات البهائم ، وهو مع ذلك هادئ الطبع ، حسن المعشر، حاضر النكتة ،حتى وإن بدى مزهو بقوته ، مأخوذا بهيكله الضخم ، يعيد ويزيد في مآثر شبابه وفتوته ،يقهقه منشرحا وهو يلوح بساعده يمنة ويسرة ، كيف أن اللصوص وأبناء المنصر كانوا يخشون بأسه ، تزوج " العقبي " من امرأتين ، أولاهما " أم السعد " ، لكنها لم تعش طويلا وماتت بعلة في صدرها ،أما الثانية " نبوية "فأم أولاده ، هام بها حبا ، لكنها لقيت حتفها في حادث مأساوي ،سقطت في بئر الساقية فماتت ، اغتم ، واغلق عليه قلبه ، مكتفيا بأشغاله ،مع الأيام انزوت ابتسامته ، وبهتت ضحكته. اعتقد الجميع أنها النهاية ،وأن الرجل حتما مفضي به حزنه إلى هلاك ، حتى ظهرت " نرجس " في حياته ،و" نرجس " ابنة " سيد الحصري " ، كانت قد تزوجت في قرية بعيدة ، لكن المسكينة عادت بعد أربعين يوما ، مات زوجها ، أو بالأحرى افترسه سير الطاحونة التي كان يعمل بها ، أصرت حماتها على أن ترحل ، اعتبرتها قدم شؤم عليهم ، لم تكن " نرجس " لترضى من أيامها بهذه اللطمة السريعة ، وحق لها ذلك ، فقد حباها الخالق إلى جانب عقلها الراجح ، ونفسها الطموحة وذكائها المتقد ، جمالا أخاذا يخطف العيون ،ويخلب العقول ،لجسد امرأة مكتملة الإغواء ، قد صب في عود سمهري ،فاكتملت لها فتنة حواء ومكرها.
منذ أن استقرت في بيت أبيها، وهي تبالغ ما وسعها في اظهار جمالها ،وتفجير مواطن فتنتها ، حتى أضحت بعد حين منتهى كل نفس تقدر الحسن ، وأمل كل مقامر يتعقب الملاحة لا يسترخص ثمنها ، لها في كل طريق هائم مجنون ،ومع كل انحناءة جدار ،من يطرح تحت أقدامها الأماني ، المال والسعة ،الحب والعشق إلى الأبد ، خذلتهم جميعا ، فلم يكن لهؤلاء أن يرضوا غرورها.
إلى الآن لا اعرف كيف وقفت في طريق " العقبي " ، لكن ما يهمنا ، أنه لم يضيع الفرصة وتزوجها ،وأنها وجدت فيه منيتها ،المال والأرض والصحة.
تبدلت أحواله ،فأقبل على الدنيا بعد يأس ،عادت ضحكاته تصهلل تملأ الدار ، وبعد أشهر قلبت له السعادة وجهها ، جفت شهيته ، وضمرت رغبته ، بدأ يتململ في فراشه ،وهل يأمن المرء تقلبات دهره؟! فالنهر يوشك أن يجف ، وتلك بداية المنحدر ، كانت نظرتها إليه كرابيج تجلده ،تعلن ضعفه ، تلعن شيخوخته وتهدمه ،تقول بصريح العبارة :" لا فائدة منك " ،لم يجد من حل غير اللجوء للدواء ، " الصيدلية " ، رددها في عفوية وهو مضجع إلى جوار الساقية ، هب واقفا ، يضرب كفا بكف ،يتطاير صياحه :" الموت أهون علي من ذلك " ، ما أصعب على الإنسان أن يعترف بعجزه ، لكن ما فائدة المكابرة ، الوقت يمضي ، ومحاولاته الفاشلة تتكرر ، فلا مفر من الدواء. قضي الأمر كأسهل ما يكون ، لكنه مع كل مرة يكره نفسه ، يسب الصيدلية ، الدواء ، نرجس ، الحياة ولذتها، عند المساء ينفض عنه كل تلك الهواجس المزعجة ، يقبل على الوصفة بنفس رضية ، تراوده كل صنوف المتعة ، تزداد سعادته حين يرى وجه " نرجس " تشع البهجة في استدارته ، يبدي ارتياحه ، ويحمد الله الذي ستر المعايب. لكن شعورا بالنقص يتفجر من داخله ، تضرب أمواجه في عنف وثورة ،وهكذا حاله في كل مساء.